ماذا يحدث لجسمك عندما تأكل مع الآخرين؟
في زحمة الحياة اليومية وضغوطها المتزايدة، أصبح الوقت الذي نقضيه مع أحبائنا محدودًا أكثر من أي وقت مضى.
حتى مشاركة وجبة واحدة معهم أصبحت بالنسبة للكثيرين مهمة صعبة، في ظل تضارب المواعيد وتسارع الإيقاع.
ونتيجة لذلك، يجد عدد متزايد من الأشخاص أنفسهم يتناولون طعامهم بمفردهم، دون أن يدركوا أن لهذا الأمر انعكاسات تتجاوز مجرد الشعور بالوحدة.
لكن خبراء يؤكدون أن إجراء تغييرات بسيطة، مثل الحرص على تناول الطعام مع الآخرين سواء كانوا من أفراد العائلة أو الأصدقاء أو زملاء العمل يمكن أن ينعكس إيجابًا على الصحة العامة، النفسية والجسدية على حد سواء، فرغم أن هذه العادة تبدو بسيطة، إلا أن أهميتها غالبًا ما تُهمل.
هل تناول الطعام معًا هو سر الحياة السعيدة؟
يوضح الدكتور سانجاي كوماوات، استشاري الطب النفسي، أن تناول الطعام بمفردك بشكل متكرر قد يولد شعورًا بالإهمال أو العزلة، وهو أمر مرهق نفسيًا.
ويقول: "قد يبدأ الشخص في الشعور بأنه غير مرغوب فيه، ما ينعكس سلبًا على تقديره لذاته".
وعلى النقيض، فإن مشاركة الوجبات تفتح بابًا للتواصل، وتبادل المشاعر، والضحك، ومشاركة الهموم اليومية، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
وهذا التفاعل الاجتماعي لا يعزز الصحة النفسية فحسب، بل يساهم أيضًا في توطيد العلاقات وبناء روابط أقوى بين الأفراد.
ويضيف كوماوات أن حتى الأدوار البسيطة، مثل تحضير الطعام أو تقديمه، قد تمنح الشخص شعورًا بالرضا والإنجاز، خاصة عندما يحظى بالتقدير من الآخرين.
فوائد نفسية تتجاوز التوقعات
تشير الدراسات وخبراء الصحة النفسية إلى أن مشاركة وجبة واحدة يوميًا مع العائلة يمكن أن تُحدث فرقًا ملحوظًا، خاصة لدى الأطفال. إذ يصبحون أكثر انفتاحًا على الحديث عن يومهم، وأكثر استعدادًا لمشاركة مشاعرهم وتجاربهم.
ويقول كوماوات إن مائدة الطعام قد تكون فرصة ذهبية للآباء للاستماع لأبنائهم، وتقديم النصح لهم بطريقة طبيعية وغير مباشرة. وينطبق الأمر ذاته على الأزواج، حيث يساعد الحوار أثناء الوجبات على تعزيز الترابط وتقوية العلاقة.
أما كبار السن، فتمنحهم هذه اللحظات مساحة للتواصل، والتعبير عن مخاوفهم الصحية أو النفسية، ما يخفف عنهم الشعور بالوحدة.
فوائد جسدية لا تقل أهمية
لا تتوقف آثار تناول الطعام مع الآخرين عند الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى الصحة البدنية أيضًا.
وتوضح الدكتورة شوبها إيتوليكار، استشارية الطب الباطني، أن هذه العادة تشجع على الالتزام بمواعيد منتظمة للوجبات، وتناول كميات متوازنة، ما يدعم عملية الهضم ويحسن التمثيل الغذائي.
كما يميل الأشخاص عند تناول الطعام مع غيرهم إلى اختيار خيارات غذائية أكثر صحة، مثل الأطعمة المطبوخة منزليًا، بدلًا من الوجبات السريعة أو المصنعة.
إضافة إلى ذلك، فإن تناول الطعام ببطء ومضغه جيدًا يساعد على التحكم في الشهية، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتقليل الإفراط في الأكل.
هل تناول الطعام بمفردك مضر؟
بحسب الخبراء، فإن تناول الطعام منفردًا بشكل متكرر قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى مشكلات صحية.
فغالبًا ما يعتمد الأشخاص في هذه الحالة على الوجبات الجاهزة، ويتناولون الطعام بسرعة أو في أوقات غير منتظمة، ما قد يسبب اضطرابات في الهضم، وزيادة في الوزن، ونقصًا في العناصر الغذائية.
كما ترتبط هذه العادة بزيادة خطر الإصابة بأمراض نمط الحياة، مثل السكري ومشكلات الجهاز الهضمي، فضلًا عن اضطراب إشارات الجوع والشبع الطبيعية للجسم.
تؤكد الأبحاث أن مشاركة الطعام ليست مجرد عادة اجتماعية، بل هي سلوك صحي متكامل. فالوجبات المشتركة غالبًا ما تكون أكثر تنظيمًا وأقل استعجالًا، ما يساهم في تحسين الهضم، ودعم صحة الأمعاء، وتعزيز المناعة.



