هل يضعف الذكاء الاصطناعي التفكير البشري؟.. ما تفعله الآلات في عقل البشر
أصبح الذكاء الاصطناعي يتم تصويره على أنه عقل رقمي قادر على التفكير بطريقة تحاكي البشر، أو حتى تنافسهم، غير أن جون نوستا، منظّر الابتكار ومؤسس مركز "نوستا لاب" لأبحاث التكنولوجيا، يرى الأمر من زاوية مختلفة تمامًا، مؤكدًا أن النماذج اللغوية الكبيرة لا تفكر بالطريقة التي يعمل بها العقل البشري.
ويذهب نوستا إلى أبعد من ذلك، إذ يصف الذكاء الاصطناعي بأنه "نقيض للذكاء"، لأنه يعمل وفق آليات تتصادم مع أسلوب البشر في الفهم والتعلم والإدراك.
وبحسب موقع "بيزنس إنسايدر"، أوضح نوستا أن الذكاء الاصطناعي لا يفهم الأشياء كما يفعل الإنسان، فحين يفكر البشر في شيء ما كتفاحة مثلًا فإنهم يربطونه بالزمان والمكان والذاكرة والثقافة والتجربة الحياتية، اما النماذج اللغوية، فلا تفعل أيًا من ذلك.
بدلًا من الفهم، يتعامل الذكاء الاصطناعي مع الكلمات باعتبارها كيانات رياضية داخل فضاء معقد متعدد الأبعاد، ويبحث عن أنماط تتوافق إحصائيًا، لا معنويًا.
فالتفاحة، وفق هذا المنطق، لا توجد بوصفها تفاحة، بل كمتجه رقمي في منظومة حسابية ضخمة.
ويشير نوستا إلى أن هذه الآلية تجعل مخرجات الذكاء الاصطناعي مصممة لتحقيق التناسق والطلاقة، لا الفهم الحقيقي. فالنظام لا يصل إلى الإجابة عبر التفكير المنطقي، بل ينتج الرد الأكثر انسجامًا مع أنماط اللغة.
انقلاب في طريقة التفكير
يرى نوستا أن الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط طريقة العمل، بل يعيد تشكيل آلية التفكير البشري نفسها. فالإدراك الإنساني عادةً ما يبدأ بالحيرة، ثم الاستكشاف، ثم بناء الفكرة، وأخيرًا الوصول إلى اليقين. لكن الذكاء الاصطناعي يعكس هذا المسار.
فبدلًا من البدء بالأسئلة، يمنحنا إجابات مصقولة منذ اللحظة الأولى، ما يخلق شعورًا زائفًا بالثقة والكمال.
وهذا بحسب نوستا يشكل خطرًا حقيقيًا، لأن الناس قد يتوقفون عن التساؤل والتحليل بمجرد حصولهم على إجابة تبدو منطقية.
ويضيف أن هذه السلاسة في المخرجات قد تخدع المستخدمين، وتجعلهم يقبلون النتائج دون تفكير نقدي، وهو ما يتعارض مع جوهر العملية الإدراكية البشرية.
خطر الراحة الذهنية
لا يرى نوستا المشكلة في تفوق الذكاء الاصطناعي في العمليات الحسابية أو سرعة المعالجة، بل في ميل البشر إلى تفويض عملية التفكير نفسها للآلة.
ويؤكد أن العثرات والصعوبات الذهنية ليست عيوبًا، بل هي أساس تطور الإنسان معرفيًا، لأنها تدفعه إلى طرح الفرضيات واكتشاف الأفكار الجديدة.
وفي وقت تشجع فيه بعض الشركات موظفيها على الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في التحليل والكتابة واتخاذ القرار، يحذر نوستا من الخلط بين الطلاقة والفهم الحقيقي.
ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة تُعزز التفكير، لكنه يصبح خطرًا حين يُستخدم كبديل عنه.
ويختصر فكرته بقوله: "القيمة الحقيقية لا تكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في العلاقة التفاعلية بين الإنسان والآلة".
قلق يتصاعد
هذا القلق لا يقتصر على الخبراء فقط. فقد أظهرت دراسة حديثة صادرة عن دار نشر جامعة أكسفورد أن الذكاء الاصطناعي يجعل الطلاب أسرع وأكثر سلاسة في الأداء، لكنه في الوقت نفسه يُضعف العمق الفكري الناتج عن التوقف والتأمل والتفكير المستقل.
كما توصل تقرير صادر عن معهد "Work AI" إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يخلق وهمًا بالكفاءة، حيث يشعر المستخدمون بأنهم أكثر إنتاجية وذكاءً، في حين تتآكل مهاراتهم الأساسية تدريجيًا.



