«رواد باشان» الفخ الجديد.. كيف تستغل إسرائيل سقوط سوريا للتوسع شرقًا؟ تقرير
على طول الخط الفاصل بين مرتفعات الجولان المحتلة وجنوب سوريا، يتصاعد مشهد شديد التوتر الذي لا يقتصر على الاحتكاك الحدودي التقليدي، بل يمتد إلى تحركات منظمة تقودها مجموعات استيطانية إسرائيلية تسعى علنًا إلى فرض واقع جديد يتجاوز خط وقف إطلاق النار لعام 1974.
رواد باشان.. كيان خطير مدعوم من إسرائيل
تبرز حركة تعرف باسم “رواد باشان”، التي تحولت خلال فترة قصيرة من جماعة هامشية إلى كيان أكثر تنظيمًا ونفوذًا، مدعومًا بشخصيات سياسية ودينية داخل إسرائيل، ومتهمًا بتبني خطاب توسعي يصل إلى حدود جنوب سوريا.
وبينما تقول الحركة إن تحركاتها تأتي ضمن رؤية توراتية وأمنية، يرى منتقدون أن ما يجري يمثل تصعيدًا ميدانيًا وسياسيًا خطيرًا في منطقة شديدة الحساسية، خاصة بعد الفراغ الأمني الذي أعقب التطورات الكبرى في سوريا أواخر 2024.
الاقتحام عند مجدل شمس
شهد منتصف مايو، حادثة لافتة عند السياج الفاصل قرب بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل، حيث تجمعت مجموعة من نشطاء الحركة على طول الحاجز الحدودي مع جنوب سوريا، وبحسب الروايات، قام بعض المشاركين بتقييد أنفسهم بالسياج، بينما تمكن ما لا يقل عن عشرة أشخاص من العبور إلى داخل الأراضي السورية عند سفح جبل الشيخ.
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي لاحقًا، أن قواته أعادت المدنيين إلى داخل الأراضي المحتلة، قبل أن يتم اعتقالهم وتسليمهم لشرطة الاحتلال.
وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة من التحركات التي تنظمها الحركة، والتي تصفها بأنها جزء من ضغط متواصل، للسماح بإنشاء مستوطنات يهودية خارج خط وقف إطلاق النار لعام 1974.
رواد باشان.. من هي الحركة التي تصعد بسرعة؟
تعد حالوتزي هاباشان “رواد باشان” واحدة من أبرز الحركات الناشئة في هذا السياق، حيث تأسست في أبريل 2025، بعد تطورات ميدانية مرتبطة بالوضع في جنوب سوريا عقب سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وتستمد الحركة اسمها من باشان، وهي منطقة توراتية تنسب إلى شرق نهر الأردن، وتمتد في الروايات الدينية من جبل حرمون شمالًا إلى جلعاد جنوبًا.
وبحسب أطروحات تنسب لبعض التيارات داخل الحركة، فإن مشروع إسرائيل الكبرى لا يضع حدودًا ثابتة للدولة، ويرى أن المجال الموعود يمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، وصولًا إلى مناطق في تركيا والسعودية، وهو ما يجعل جنوب سوريا ضمن نطاق الرؤية المطروحة لديهم.
وعليه، لا تعتبر الحركة سوريا أرضًا أجنبية، بل جزءًا من الوطن التاريخي، مع التركيز على الجنوب كهدف مباشر.
توسع تنظيمي وتحول من الهامش إلى الفعل
تشير تقارير إلى أن الحركة، رغم حداثة نشاطها العلني، تضم عناصر ذات خبرة ميدانية من مناطق مثل الضفة الغربية والجولان المحتل، وليسوا مجرد نشطاء جدد.

ويصف مراد محمد الحموي، الصحفي الاستقصائي المعتمد على المصادر المفتوحة، هؤلاء بأنهم مستوطنون غير مسلحين ومخضرمون، يسعون إلى هدف طويل الأمد يتمثل في إقامة وجود استيطاني دائم في جنوب سوريا.
كما يشير إلى أن نشاط الحركة تطور بسرعة خلال عام واحد فقط، بدعم سياسي غير مباشر من بعض الشخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية والكنيست.
خطاب متشدد يتجاوز السياسة إلى الطرح الإقصائي
وفق منشورات وتقارير إعلامية، تُتهم الحركة بتبني دعوات متطرفة تشمل إقصاء مجموعات سكانية محلية من المنطقة، وتتضمن بعض المنشورات بحسب ما تم تداوله، خطابًا يدعو إلى طرد سكان من طوائف مختلفة من منطقة باشان، وربط ازدهار المنطقة بغيابهم، ما يعكس تحولًا في الخطاب من مجرد فكرة استيطان إلى طرح أكثر حدة يرتبط بإعادة تشكيل ديموغرافي للمنطقة.
وجوه قيادية وشخصيات مؤثرة داخل الحركة
تبرز شخصية عاموس عزاريا، كأحد أبرز الوجوه الفكرية المرتبطة بالحركة، وهو أكاديمي وناشط ديني قومي يدعم فكرة الاستيطان خارج الحدود المعترف بها دوليًا.
يرى عزاريا، أن جنوب سوريا يمثل منطقة عازلة استراتيجية، وامتدادًا ذا بعد توراتي، وأن الوجود العسكري يجب أن يتبعه استيطان مدني دائم.
كما يُذكر أنه مرتبط بحركات أخرى ذات توجهات مشابهة، من بينها “أوري تسافون”، التي تدعو إلى مشاريع استيطانية في جنوب لبنان أيضًا.
إلى جانبه، يظهر جوناثان ليفي كمنسق ميداني، ويوسف لوريا كمتحدث إعلامي، حيث يعملان على تقديم المبررات الاستراتيجية والدفع نحو إطارات تنظيمية لهذه التحركات.
دعم سياسي وديني يرفع منسوب الجدل
وأفادت تقارير بأن الحركة تحظى بدعم أو تأييد من بعض الشخصيات السياسية داخل إسرائيل، من بينهم وزراء ونواب في الكنيست، كما ظهرت تصريحات علنية من بعض المسؤولين تشير إلى دعم فكرة العودة إلى باشان، إلى جانب دعم رمزي خلال فعاليات برلمانية تكريمية للحركة.
ومن بين الأسماء السياسية التي أبدت دعمًا أو تعاطفًا، وزير الأمن القومي المتطرف، إيتمار بن غفير، ووزير شؤون المغتربين، أميشاي تشيكلي، إضافة إلى شخصيات من حزب الليكود.
كما برز دعم ديني من الحاخام يتسحاق جينسبورج، الذي دعا إلى دعم من يسعون إلى ما وصفه بـ“الإرث الأبدي لشعب إسرائيل”.
من السياج إلى العمق السوري
بحسب تحليلات ميدانية، تتبع الحركة نهجًا تصعيديًا تدريجيًا يبدأ من نقاط حدودية صغيرة ثم يتوسع نحو الداخل، في البداية، ركزت التحركات على نقاط قريبة من الحدود، قبل أن تتحول الدعوات إلى التوسع داخل جنوب سوريا بشكل أعمق، وصولًا إلى مناطق مثل درعا.
وتستخدم الحركة، وسائل رقمية مثل مجموعات واتساب وحملات تبرع إلكترونية لتنسيق النشاطات وتمويلها.
جدول التصعيد.. سلسلة تحركات متسارعة
- أغسطس 2025: أول توغل باتجاه إنشاء مستوطنة واحة باشان
- أكتوبر 2025: محاولات عائلات لعبور السياج مع معدات تخييم
- نوفمبر 2025: توغلات منسقة من عدة محاور قرب جبل الشيخ وبئر عجم
- ديسمبر 2025: محاولات عبور متعددة وظهور داخل قرى حدودية
- يناير 2026: اعتقال نحو 20 شخصًا قرب معبر القنيطرة
- فبراير 2026: حفل وضع حجر أساس لمشروع استيطاني رمزي
- أبريل 2026: تسلل مئات الأمتار قرب مجدل شمس
- مايو 2026: نشر مقاطع من جبل الشيخ ودعوات للتوسع
- 17 مايو 2026: مظاهرة وتقييد أنفسهم بالسياج للمطالبة بالتفويض
فراغ أمني وصراع محتمل يقترب
في ظل ضعف سيطرة الدولة السورية على الجنوب بعد التطورات الأخيرة، ذكرت تقارير، أن المنطقة تشهد فراغًا أمنيًا تستغله أطراف متعددة، بينها جيش الاحتلال الإسرائيلي وحركات استيطانية.
ويرى مراقبون، أن غياب استراتيجية واضحة من دمشق يزيد من تعقيد الوضع، بينما تظل التحركات الاستيطانية في تصاعد مستمر، كما يشير محللون إلى أن طبيعة الدخول غير المسلح حتى الآن لا تعني أن الوضع سيبقى على هذا النحو، خاصة مع اقتراب التحركات من مناطق مأهولة بالسكان.



