عاصفة مارس تضرب الجنيه.. الدولار يقفز 14% تحت ضغط التوترات العالمية
شهدت أروقة القطاع المصرفي المصري خلال شهر مارس 2026 واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في سوق الصرف المحلي، حيث لم تكن تحركات الدولار مجرد أرقام تُعرض على شاشات البنوك، بل كانت انعكاساً دقيقاً لطبول الحرب التي قرعت في المنطقة، مخلفةً وراءها موجات من الضغوط التضخمية التي أفقدت الجنيه المصري جزءاً كبيراً من قيمته أمام الدولار الأمريكي في رحلة صعود ماراثونية استمرت على مدار واحد وثلاثين يوماً من القلق والترقب الاقتصادي.
من استقرار الدولار إلى الانفجار
بدأ شهر مارس بهدوء حذر، حيث سجلت لوحات التداول في أغلب البنوك المصرية ومن بينها بنك مصر يوم 1 مارس 2026 مستويات مستقرة نسبياً عند 47.87 جنيه للشراء و47.97 جنيه للبيع، وهي مستويات كانت تعكس حينها نجاح الخطط الإصلاحية في الحفاظ على توازن العرض والطلب.
إلا أن اندلاع شرارة النزاعات العسكرية الدولية وما تبعها من تهديدات مباشرة لسلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين والملاحة، سرعان ما قلب الموازين رأساً على عقب، ليدخل الجنيه في نفق من التراجعات المتتالية تحت وطأة الطلب المتزايد على العملة الصعبة لتأمين الاحتياجات الاستراتيجية من الطاقة والغذاء.
ومع نهاية شهر مارس وتحديداً في 31 مارس 2026، كشفت الأرقام عن حجم الصدمة التي تلقاها السوق، حيث قفز سعر الدولار في بنك مصر ليصل إلى 54.54 جنيه للشراء و54.64 جنيه للبيع؛ وهو ما يعني بلغة الأرقام أن العملة الأمريكية سجلت زيادة قدرها 6.67 جنيه كاملة في غضون شهر واحد فقط، محققةً نسبة ارتفاع قياسية بلغت نحو 13.9%، وهي قفزة تعكس حجم التحديات التي فرضتها الأوضاع الجيوسياسية الراهنة على صانع السياسة النقدية في مصر.
الحرب وحصار السيولة
يرى محللون أن هذا الارتفاع الحاد لم يكن نتاج عوامل اقتصادية داخلية، بل كان ترجمة فورية لحالة "الذعر العالمي" التي صاحبت العمليات العسكرية وتأثيرها المباشر على موارد مصر من العملة الصعبة، بدءاً من تراجع حركة الملاحة في قناة السويس وصولاً إلى خروج الأموال الساخنة؛ الأمر الذي وضع ضغوطاً هائلة على ميزان المدفوعات ودفع البنوك لتحريك الأسعار لضمان تدفق السيولة ومواجهة نشاط السوق الموازية الذي يحاول دائماً استغلال الأزمات السياسية الكبرى.
آفاق المستقبل والرهان الصعب
بينما تترقب الأسواق اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري المقرر الخميس الجاري في الثاني من أبريل المقبل، يبقى السؤال المعلق في أذهان المستثمرين والمواطنين على حد سواء حول مدى قدرة الجنيه على الصمود أمام هذه العواصف الخارجية؛ خاصة في ظل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، وهو ما يضع الدولة المصرية أمام رهان صعب لتحقيق التوازن بين الحفاظ على مكتسبات الإصلاح الاقتصادي وبين امتصاص تداعيات الحرب.

