انسحاب أميركي من قاعدة التنف: انتقال منظم ورسائل أمنية حاسمة في شرق سوريا
تحولات ميدانية جديدة تشهدها الساحة السورية مع إتمام القوات الأميركية عملية مغادرة منظمة من قاعدة التنف ذات الأهمية الاستراتيجية.
خطوة تحمل أبعادًا عسكرية وسياسية في آن واحد، وتفتح مرحلة مختلفة في إدارة ملف مكافحة تنظيم داعش، وسط تأكيدات أميركية باستمرار الجاهزية والقدرة على الردع، وتسلّم سوري منسّق لمهام قاعدة التنف والمناطق المحيطة بها.
مغادرة منظمة ورسائل تطمين أميركية
القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أعلنت استكمال انسحاب القوات الأميركية من قاعدة التنف، في عملية وُصفت بالمدروسة والمنظمة.
الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، أكد أن الانسحاب لا يعني تراجعًا عن الالتزام بمحاربة تنظيم داعش، بل يأتي ضمن إعادة تموضع محسوبة لدعم الجهود التي تقودها قوى شريكة لمنع عودة التنظيم المتطرف.
تصريحات كوبر شددت على بقاء القوات الأميركية في حالة استعداد دائم للرد على أي تهديد محتمل صادر عن داعش، معتبرًا أن استمرار الضغط على التنظيم يشكل أولوية لحماية المصالح الأميركية وتعزيز الأمن الإقليمي.
حصيلة عمليات عسكرية خلال الأشهر الماضية
سجل العمليات العسكرية خلال الفترة الأخيرة حمل أرقامًا لافتة، حيث أوضح قائد «سنتكوم» أن القوات الأميركية نفذت، خلال الشهرين الماضيين، ضربات دقيقة استهدفت أكثر من 100 هدف، باستخدام ما يزيد على 350 قذيفة موجهة.
هذه العمليات أسفرت عن القبض على أكثر من 50 عنصرًا من تنظيم داعش أو القضاء عليهم.
هذه الحصيلة عكست، وفق الرؤية الأميركية، فاعلية الاستراتيجية المتبعة في ملاحقة بقايا التنظيم ومنع إعادة تشكيل شبكاته في سوريا والمنطقة.
انتقال مدروس ضمن «العزم الصلب»
عملية الانسحاب جاءت في إطار انتقال مبني على شروط محددة، تشرف عليه قوة المهام المشتركة الموحدة – عملية «العزم الصلب».
هذه القوة التي أُنشئت عام 2014 لعبت دورًا محوريًا في تقديم المشورة والدعم للقوات الشريكة في الحرب ضد داعش، ولا تزال تشكل الإطار العملياتي للتنسيق بين واشنطن وحلفائها.
القيادة الأميركية أكدت أن إعادة الانتشار لا تمثل نهاية المهمة، بل تعديلًا في آليات تنفيذها بما يتناسب مع الواقع الميداني الجديد.
تسلّم سوري وانتشار على الحدود
وزارة الدفاع السورية أعلنت استلام قاعدة التنف بالتنسيق مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى بدء انتشار قواتها على الحدود مع العراق والأردن في منطقة بادية التنف.
البيان الرسمي أكد تأمين قاعدة التنف ومحيطها في المرحلة الحالية، مع بدء تسلّم المهام والانتشار الكامل خلال أيام.
هذه الخطوة اعتُبرت تطورًا لافتًا في مسار التنسيق، خصوصًا مع توسّع مهام القوات السورية في المناطق الحدودية الحساسة.
إعادة تموضع نحو الأردن
مصادر محلية في محافظة حمص كشفت أن القوات الأميركية غادرت قاعدة التنف باتجاه قاعدة «البرج 22» في منطقة المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني.
عملية الإخلاء تزامنت مع نقل قوات ومعدات إلى الأردن، في إطار إعادة انتشار أوسع شملت قواعد أخرى في شرق وشمال شرق سوريا.
تقارير أشارت إلى إخلاء قواعد أميركية في دير الزور والحسكة، وآخرها قاعدة الشدادي في الحسكة، ما يعكس توجّهًا تدريجيًا لتقليص الوجود العسكري المباشر.
سياق سياسي وعسكري أوسع
التحركات الميدانية جاءت بعد تقارير أميركية كشفت، في يناير 2026، عن خطط إدارة الرئيس دونالد ترامب لانسحاب كامل من سوريا.
وزارة الدفاع الأميركية كانت أعلنت في يوليو 2025 أن عدد القوات الأميركية المنتشرة في سوريا يبلغ نحو 1500 جندي.
في المقابل، تحدثت مصادر عن دور سوري متزايد في تنفيذ عمليات نوعية ضد تنظيم داعش، شملت إلقاء القبض على قيادات بارزة في دمشق وريفها ودرعا وحلب، ما ساهم في تهيئة الأرضية لمرحلة انتقالية في إدارة الملف الأمني.
قاعدة التنف.. موقع استراتيجي حساس
قاعدة التنف تحتل موقعًا بالغ الأهمية في المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق.
تأسيس القاعدة عام 2014 جاء ليجعلها مركزًا رئيسيًا لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، ووسيلة لقطع الطريق بين الحدود السورية–العراقية والعاصمة دمشق.
القاعدة تعرّضت، قبل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة، تبنّت فصائل عراقية تنفيذها، ما جعلها واحدة من أكثر النقاط العسكرية حساسية في المنطقة.
مرحلة جديدة دون إعلان نهاية المهمة
الانسحاب الأميركي من التنف لا يعني إسدال الستار على دور واشنطن في سوريا، بل يشير إلى انتقال محسوب في الأدوات والانتشار.
مشهد أمني جديد يتشكّل، تتداخل فيه إعادة التموضع العسكري مع رسائل سياسية واضحة: محاربة داعش مستمرة، لكن بأساليب مختلفة.


