الدفن على نفقة الميت.. الموت «المُكلف» يثقل كاهل الأسر المسيحية
الرحلة الٱخيرة ليست مجانية …فاتورة الوداع الٱخير…أسعار التوابيت تصل إلى 90 ألف جنيه.. ونقل المتوفى يتجاوز 13 ألفًا في بعض المحافظات
من الحب إلى الميراث.. المقابر تكشف ما تخفيه النفوس
«تعبت من الأحياء ولقيت راحتي مع الأموات».. سائق جنازات يروي 15 عامًا من الحكايات المؤثرة
بين أرفف التوابيت وأصوات المعزين ودفاتر الأسعار، تبدو مفارقة الحياة والموت أكثر وضوحًا، فحتى الرحلة الأخيرة التي يظنها البعض متساوية للجميع، أصبحت بدورها تخضع لحسابات الغلاء، وبين صندوق ثمنه بضعة آلاف وآخر يقترب من مئة ألف جنيه، يبقى السؤال حاضرًا: هل يحتاج الراحلون لكل هذه الفوارق، أم أن الأحياء هم من يصنعونها؟.
في شارع هادئ تصطف على جانبيه عشرات الصناديق الخشبية بأحجام وألوان مختلفة، يجلس رفعت مينا خلف مكتبه يراقب حركة الداخلين والخارجين، قبل 12 عامًا، لم يكن يتخيل أن يصبح الموت جزءًا من يومه العادي، أو أن يقضي ساعات طويلة محاطًا بالتوابيت التي كان مجرد رؤيتها في الماضي تثير بداخله الخوف.
يقول رفعت الضابط المتقاعد ومدير أحد محلات التوابيت: «زمان كنت أول ما أشوف عربية نقل متوفى أخاف وأتوتر، لكن الشغلانة دي لغت حساسية الموت عندي، بقيت قاعد وسط الصناديق طول اليوم، وأصبح الموضوع عادي جدًا».

لكن ما لم يعتد عليه رفعت هو الارتفاع المستمر في تكاليف الرحلة الأخيرة للإنسان. فبينما يعتقد البعض أن الموت يساوي بين الجميع، تكشف الأرقام أن الغلاء وصل حتى إلى المقابر.
«حتى الموت بقى مكلف» يقولها رفعت بحسرة أثناء حواره لـ «تفصيلة» قبل أن يشير إلى أحد التوابيت المعروضة داخل المحل، قائلًا «من خمس سنوات فقط كانت الأسعار أقل من النصف تقريبًا اليوم تبدأ أسعار الصناديق من 3 آلاف جنيه، وهناك أنواع فاخرة تُعرف بين الناس باسم (صناديق البابا) يصل سعرها إلى 90 ألف جنيه».
داخل المحل، لا يشتري الجميع بالطريقة نفسها، فبينما يبحث البعض عن أقل تكلفة ممكنة، يصر آخرون على اقتناء أفخم التوابيت مهما بلغ سعرها.
آخر وداع.. بين الضرورة والمكانة الاجتماعية
يقول رفعت «في زبائن يرفضوا شراء أي صندوق عادي، ولو الصندوق الفخم مش موجود يخرجوا ويدوروا عليه في مكان تاني، بالنسبة لهم آخر وداع لازم يكون بأعلى مستوى».
ولا تتوقف تكلفة الجنازة عند التابوت فقط، فالكفن وحده قد تبدأ أسعاره من ألف جنيه وتصل في بعض الأنواع الفاخرة إلى عشرات الآلاف، أما سيارة نقل المتوفى فتضيف عبئًا جديدًا على الأسرة، خاصة إذا كان الدفن سيتم في محافظة أخرى.

وخلال سنوات عمله، لاحظ مدير محل التوابيت تغيرات كثيرة في ذوق الزبائن، فبعدما كانت الألوان الداكنة، خصوصًا درجات البني، هي الأكثر طلبًا، أصبح اللون الأبيض يتصدر المشهد في السنوات الأخيرة.
ورغم ارتفاع الأسعار، يؤكد أن حركة البيع لم تعد كما كانت، فالكثير من الكنائس بدأت توفر خدمات بيع التوابيت مباشرة، ما أثر على نشاط المحال الخاصة بشكل ملحوظ.
الموت ليس له موعد
لكن أكثر ما يلفت انتباهه ليس الأسعار أو المبيعات، بل تصرفات البشر في لحظات الحزن. يقول: «المحل شغال 24 ساعة لأن الموت ملوش ميعاد. ساعات ييجي ناس الساعة 3 الفجر وأعصابهم منهارة، وساعات تلاقي ناس في منتهى البرود، وفي ناس بتخاف تدخل المحل أصلًا وبتختار الصندوق من بره».
ويضيف أن الخلافات العائلية لا تغيب حتى في أصعب اللحظات، «كتير بنشوف مشادات بين أقارب المتوفى، ناس عايزة تشتري أغلى صندوق تكريمًا للراحل، وناس تانية شايفة إن كله في النهاية هيتحول لتراب وعايزة أرخص حاجة».

المغالاة في أسعار التوابيت لا تفيد المتوفى
وفي الجهة الأخرى من المشهد، يرى القس رفعت فكري، رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية بالكنيسة الإنجيلية، أن المغالاة في أسعار التوابيت لا تضيف شيئًا للمتوفى.
ويقول رجل الدين لـ «تفصيلة»، إن عادة الدفن في الصناديق متوارثة منذ عصور قديمة، لكن قيمة الإنسان لا تتوقف على شكل التابوت أو ثمنه، موضحًا أن الجسد بعد الوفاة يعود إلى التراب، بينما تبقى الأعمال التي قدمها الإنسان خلال حياته.
ويرى القس فكري أن إنفاق عشرات الآلاف على صندوق فاخر هو نوع من «المظهرية»، التي لا تحقق فائدة حقيقية للراحل، مضيفًا أن هذه الأموال قد تكون أكثر نفعًا إذا وُجهت لمساعدة الأحياء أو دعم الأسر المحتاجة.
ويؤكد رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية بالكنيسة الإنجيلية، أن الكنيسة تحرص على مساندة غير القادرين في تحمل تكاليف الدفن والنقل وغيرها من المصروفات المرتبطة بالجنازات
من الفراعنة إلى اليوم.. كاهن يكشف أسرار الدفن بالصندوق في المسيحية
في الوقت الذي تتصاعد فيه النقاشات حول ارتفاع تكاليف الجنازات وأسعار التوابيت التي وصلت في بعض الحالات إلى عشرات الآلاف من الجنيهات، يظل سؤال يتردد كثيرًا: لماذا يدفن المسيحيون موتاهم داخل صناديق خشبية؟
للإجابة عن هذا السؤال، تحدث كاهن بإحدى كنائس محافظة أسيوط، فضل عدم ذكر اسمه، موضحًا أن الدفن بالصندوق ليس مجرد إجراء شكلي أو تقليد حديث، بل يرتبط بجذور تاريخية ودينية واجتماعية ممتدة عبر آلاف السنين.
ويقول الكاهن خلال حديثه لموقع «تفصيلة»، إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء استمرار هذه العادة حتى اليوم، أولها أن الدفن داخل الصندوق يعد امتدادًا لتقاليد مصرية قديمة تعود إلى الحضارة الفرعونية، وثانيها المساعدة في الحفاظ على الجثمان لأطول فترة ممكنة، وثالثها منح المتوفى خصوصية كاملة داخل المدفن بعيدًا عن باقي المنتقلين.
وأضاف أن عادة الدفن بالصندوق بدأت في مصر القديمة، حيث أولى المصريون القدماء اهتمامًا كبيرًا بالجسد بعد الوفاة، وانتقلت بعض هذه الممارسات إلى شعوب أخرى عبر التاريخ.
وأشار إلى أن اليهود أنفسهم تأثروا بعدد من العادات المصرية القديمة خلال فترة وجودهم في مصر، موضحًا أن استخدام التابوت في الدفن ظل حاضرًا لديهم حتى بعد خروجهم منها.
خشب وستانلس.. أنواع صناديق الموتى
وحول أنواع التوابيت المستخدمة حاليًا، أوضح الكاهن أن الخشب لا يزال المادة الأكثر شيوعًا والأفضل من الناحية العملية، لافتًا إلى أن التوابيت الخشبية تتميز بقدرتها على تحمل الظروف المختلفة داخل المقابر.
ولفت إلي أن الخشب يظل من أفضل المواد المستخدمة في صناعة التوابيت، بينما الصناديق المصنوعة من المعادن أو الإستالس، رغم ارتفاع أسعارها، قد تتأثر مع الوقت بطبيعة التربة والعوامل البيئية المحيطة".
وتطرق الكاهن إلى الحديث عن التوابيت الفاخرة التي تثير الجدل بسبب أسعارها المرتفعة، مستشهدًا بصندوق البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الراحل، موضحًا أن الصندوق الذي استخدم في مراسم دفنه جاء خصيصًا من إيطاليا كهدية من أحد الأساقفة هناك.
كرامة الإنسان لا تتوقف عند الرحيل
ورفض الكاهن وصف الدفن في صندوق بأنه نوع من إهدار الأموال، معتبرًا أن الأمر يرتبط في الأساس بنظرة الإنسان إلى كرامة الجسد واحترامه.
وتسأل «هل كرامة الإنسان تقتصر على فترة حياته فقط؟ وهل بمجرد انتقاله من العالم يصبح بلا قيمة؟ نحن نرى أن احترام الجسد جزء من احترام الإنسان نفسه، ولذلك لا يمكن اختزال الأمر في حسابات مادية فقط».
ونوه بإن هناك خيارات متعددة لتكاليف الجنازات تناسب مختلف المستويات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي هو توفير وسيلة دفن لائقة تحفظ كرامة المنتقل.
دور الكنائس للتخفيف عن الفقراء
كما شدد على أن الكنيسة لا تترك الأسر غير القادرة تواجه أعباء الجنازات بمفردها، موضحًا أن العديد من الكنائس توفر خدمات دعم ومساندة تشمل المساعدة في تكاليف نقل المتوفين وتجهيزات الدفن.
حكايات سائق نقل موتى عن الحب والجحود والرحيل
منذ 15 عامًا يجلس ماهر صاحب الـ 45 عاما، خلف مقود سيارة نقل الموتى، يعبر الشوارع نفسها التي يمضي فيها الناس إلى أعمالهم وأفراحهم ومشاويرهم اليومية، لكنه كان يسلك طريقًا مختلفًا دائمًا طريق الوداع الأخير.

قبل أن يعمل في هذا المجال تنقل ماهر بين أكثر من وظيفة قاد سيارات الشركات وعمل سائق تاكسي لفترة، لكنه لم يجد الراحة التي يبحث عنها، ويقول بابتسامة هادئة تخفي وراءها سنوات من المشاهد المؤثرة «الشغل مع الأحياء متعب جدًا أما الشغل مع الأموات مريح، الميت خلاص انتهى من مشاكل الدنيا وهو مشوار واحد اللي بوصله فيه لكن الأحياء مشاكلهم وخلافاتهم ومشاويرهم مش بتخلص».
وفي بداية عمله لم يكن الأمر سهلًا كان كل مشهد جنازة يوقظ داخله ذكريات خاصة يتذكر أيامه الأولى قائلاً: «أول ما بدأت الشغل، كل مرة أسمع حد بيترحم على أهله كنت أفتكر أمي وأبويا وأخويا وأعيط، كنت أحس أن كل جنازة تخصني أنا، لكن بعد سنة تقريبًا بقيت متعود الحزن نفسه ما بيتغيرش لكن الإنسان بيتأقلم».
دموع أمام المقبرة.. وخلافات بعد الدفن
خلال سنوات عمله شاهد عشرات المواقف التي كشفت له معادن البشر، أكثرها تأثيرًا كان مشهد شقيقين في الأربعينيات من عمرهما، كانا يبكيان بحرقة على والدتهما طوال الطريق إلى المقابر، حتى بدا للجميع أن الحزن كسرهما لكن المفاجأة جاءت بعد انتهاء الدفن.
فيرئ ماهر الموقف الغريب قائلًا «وإحنا راجعين من المقابر اتخانقوا وضربوا بعض بسبب الميراث، وقتها سألت نفسي: فين الوفاء؟ فين المحبة؟ أمهم لسه مدفونة من دقائق وهي كانت خدت معاها ايه».
أما الموقف الأكثر غرابة فكان لمتوفي رفض بعض أفراد عائلته دفنه في مدفن الأسرة بسبب خلافات قديمة حول تكاليف المقابر، وصلت سيارة الجنازة إلى المقابر وسط أقاربه وأحبائه لكن أصحاب الحق في المدفن رفضوا فتحه، لينتهي الأمر بدفنه صدقة في مكان آخر.

أصعب الرحلات.. جنازات الشباب والأطفال
ويؤكد ماهر أن أصعب اللحظات التي تمر عليه هي جنازات الشباب، فقال «جنازة الشاب أو الطفل بتبقى صعبة جدًا، الحزن فيها مختلف الناس بتكون موجوعة جدًا»، ويضيف أن المناطق الشعبية وبعض قرى الصعيد تشهد مظاهر حزن شديدة حيث يعلو النواح والبكاء وأحيانًا يقوم بعض المشيعين بالضرب على السيارة تعبيرًا عن الألم، متابعًا «أكيد بقدر حالتهم النفسية، لكن ساعات العربية بتتضرر، مرة القزاز اتكسر بالكامل من شدة الانفعال».
ومن بين مئات الرحلات التي قادها بقي موقف واحد محفورًا في ذاكرته أثناء إحدى الجنازات ضلت سيارة ابن المتوفى طريقها بعيدًا عن موكب الجنازة، فاضطر الجميع إلى الانتظار أكثر من ساعتين على الطريق قبل استكمال مراسم الدفن، متابعًا «الموقف ده علمني حاجة مهمة، وهي أن ربنا كاتب لكل إنسان ميعاد دخوله القبر بالدقيقة والثانية».
داخل سيارة الجنازة نفسها يشاهد ماهر صورًا مختلفة للحزن، هناك سيدات لا يتقن عن الصراخ والنواح طوال الطريق وٱخريات يكتفين بالدموع الصامتة وهناك أسر تشغل التراتيل أو القداس في هدوء، بينما يقرأ آخرون الإنجيل بصوت منخفض يمتزج بالبكاء.
حجز تابوته قبل خمس سنوات
وأشار إلي مشاهدته بجنازات الشباب والأطفال تعرض أمهات للإغماء لكن أكثر قصة تؤلمه ليست داخل جنازة، بل لرجل حي ما زال ينتظر نهايته وحيدًا رجل في الخمسين من عمره يسكن بالقرب من محل الصناديق الخشبية أولاده مسافرون بالخارج ولا أحد يسأل عنه، يحكي ماهر قصتة الرجل قائلا «من خمس سنين حاجز صندوقه بنفسه، وكل سنة ييجي يجدد الحجز ويقول لنا: الجار ده هو اللي هيستلم الصندوق لما أموت، كل ما أشوفه أحس قد إيه الوحدة قاسية».
سعر الصندوق من 3 إلى 90 ألف جنيه وتوصيل الميت في بعض المجافظات تصل إلى 13 ألف جنيه
وعن تكاليف تجهيزات الجنازات، يوضح أن أسعار الأكفان تبدأ من نحو 500 جنيه، وكذلك أغطية الرأس، بينما تتراوح أسعار الصناديق الخشبية بين 3 آلاف و30 ألف جنيه، وقد تصل أسعار بعض الصناديق المستوردة الفاخرة إلى ما بين 30 و90 ألف جنيه، وإذا كان الدفن داخل المحافظة تكلفة السيارة بتكون من ألفي جنيه إلى 2500 جنيه تقريبًا، لكن إذا هننقل المتوفى لمحافظة بعيدة التكلفة بتزيد بشكل كبير، الرحلة من القاهرة إلى الإسكندرية تصل إلى 4 آلاف جنيه، أما إلى محافظات الصعيد البعيدة مثل قنا أو الأقصر أو أسوان فقد تتجاوز 11 أو 13 ألف جنيه».
ورغم سنوات الخبرة الطويلة، يعترف ماهر بأن المهنة لم تعد كما كانت فبعد أن كانت الجنازات تخرج بشكل شبه يومي، تراجع العمل بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة مع توسع بعض الكنائس في تقديم خدمات مشابهة.
ويختتم سائق سيارة تكريم الإنسان حديثه قائلاً «زمان كنا بنطلع جنازة تقريبًا كل يوم. دلوقتي لو طلعنا عشر جنازات في الشهر يبقى شيء كويس».

