علاء خليفة يكتب: قُوا أهليكم.. واحموا أبناءكم من الفتن
في كل مرة نتحدث فيها عن مشاكل الأبناء، نبحث عن السبب في الهاتف، أو أصحاب السوء، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو في تغير الزمن، لكننا أحيانًا ننسى أن أول مكان يمكن أن يحمي الابن أو الابنة من كل ذلك هو البيت نفسه، وأن الأب والأم ليس دورهما فقط توفير الطعام والملابس والتعليم، وإنما أن يكونا قريبين من أبنائهما، يعرفان ما يفكرون فيه وما يؤلمهم وما يخيفهم.
الإسلام جعل الأسرة مسؤولية وأمانة، ولم يجعل دور الأب مقتصرًا على الإنفاق، وهذه المسؤولية تعني أن الأب مطالب بأن يرعى أبناءه بكل ما تحمله كلمة الرعاية من معنى؛ تربيةً واهتمامًا وتوجيهًا واحتواءً، وليس فقط أن يعود إلى البيت في نهاية الشهر ومعه راتبه.
قد يكون الأب موجودًا داخل المنزل، لكنه في الحقيقة بعيد عن أبنائه؛ يجلس معهم على مائدة واحدة، لكنه لا يعرف ماذا يحدث في حياتهم، ولا يعرف لماذا أصبحت ابنته صامتة، ولا لماذا تغير ابنه، ولا من يتحدثون معه على الهاتف، ولا ما الذي يشغل تفكيرهم، وربما يكتشف الأب بعد سنوات أن أبناءه أصبح لهم عالم كامل لا يعرف عنه شيئًا، وهنا تكمن الخطورة.
فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى من يسمعه ويشعر به ويقول له كلمة طيبة في الوقت المناسب، والفتاة تحديدًا تحتاج إلى أن تشعر أن والدها يرى قيمتها ويحترم مشاعرها ويقف بجانبها، كما يحتاج الابن إلى أب يتحدث معه ويعلمه معنى الرجولة الحقيقية، بعيدًا عن القسوة والعنف وفرض السيطرة.
عندما لا يجد الابن أو الابنة هذا الاحتواء داخل البيت، قد يبحث عنه في الخارج، وليس معنى ذلك أن الخطأ يصبح مقبولًا أو أن الإنسان لا يتحمل مسؤولية اختياراته، فالحلال والحرام واضحان، وكل إنسان مسؤول عن أفعاله، لكن علينا أن ننتبه إلى أن الوقاية من الخطأ أفضل من انتظار وقوعه ثم البحث عن العلاج.
والأخطر أن هناك أشخاصًا يعرفون جيدًا كيف يستغلون هذا الاحتياج؛ يبدأ الأمر أحيانًا برسالة عادية، ثم اهتمام زائد، ومع الوقت يتحول هذا الاهتمام إلى تعلق، ثم يصبح الشخص الآخر هو مصدر الأمان الوحيد، وبعدها يبدأ الاستغلال والضغط والابتزاز.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لماذا تركنا أبناءنا يبحثون عن شخص يسمعهم بعيدًا عن البيت؟، وليس المطلوب أن يتحول الأب إلى محقق يفتش هاتف ابنته كل يوم، ولا أن تتحول الأم إلى مراقب دائم لكل تصرفات أبنائها، فالرقابة مهمة، ووضع الحدود مهم، لكن الأهم من ذلك كله أن يشعر الابن أن والديه هما أول من يمكن أن يلجأ إليهما عندما يقع في مشكلة، إذا أخطأ يعود إليهما، إذا خاف يتحدث معهما، إذا تعرض للابتزاز لا يخشى أن يخبرهما، وإذا شعر بالوحدة يجد من يسمعه داخل بيته، وهنا يظهر معنى التربية الحقيقي.
الدين لم يطلب منا أن نربي أبناءنا بالخوف وحده، وإنما علمنا الرحمة والحكمة والقدوة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قريبًا من أهله وأصحابه، رحيمًا بهم، يسمعهم ويعلمهم، ولم تكن التربية عنده مجرد أوامر ونواهٍ.
لذلك لا يكفي أن نقول لابنتنا «احذري من الشباب»، ثم لا نعطيها نحن الأمان الذي تحتاج إليه، ولا يكفي أن نقول لابننا «كن رجلًا»، ثم لا نعلمه أن الرجولة مسؤولية واحترام وغض للبصر وعدم استغلال ضعف الآخرين.
الأب الذي يريد أن يحمي ابنته عليه أن يجعلها تعرف أولًا أنها غالية عنده، وأنها تستطيع أن تتحدث معه دون خوف أو خجل، وعليه أن يعلمها أن من يطلب منها إخفاء علاقة عن أهلها، أو يضغط عليها لإرسال صور خاصة، أو يهددها عندما ترفض طلباته، لا يحبها ولا يحميها، وإنما يستغلها.
والأمر نفسه بالنسبة للأبناء الذكور، فالابن الذي لا يجد من يتحدث معه عن مشاعره وأفكاره قد يبحث عن إجابات في أماكن أخرى، وقد يقع تحت تأثير أشخاص يقدمون له نموذجًا خاطئًا عن الرجولة والعلاقات والاحترام.
ومن هنا يأتي دور الدين، ليس باعتباره مجموعة من الكلمات التي نكررها على أبنائنا، وإنما باعتباره أسلوب حياة؛ عندما يرى الابن والده يحترم والدته، ويعاملها بالرحمة، ويضبط نفسه، ويحترم الناس، فإن هذا السلوك يترك داخله أثرًا أكبر بكثير من عشرات النصائح، فالأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه.
فإذا تحدثنا معهم عن الحياء، يجب أن يروا الحياء في سلوكنا، وإذا حدثناهم عن غض البصر، يجب أن يروا ذلك فينا، وإذا طالبناهم بالرحمة، فلا يمكن أن يكون البيت قائمًا على الإهانة والصوت المرتفع.
وفي عصر الهاتف والسوشيال ميديا، أصبحت مسؤولية الأسرة أصعب، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر ضرورة، فالابن يستطيع أن يتحدث مع شخص في دولة أخرى وهو جالس في غرفته، وقد يدخل شخص غريب إلى حياته دون أن تعرف الأسرة شيئًا عنه.
ولهذا لا يكفي أن نصادر الهاتف أو نغلق الإنترنت، ولكن علينا أن نربي أبناءنا على الوعي، وأن نعلمهم أن ليس كل من يسمعهم يحبهم، وليس كل من يهتم بهم يريد الخير لهم، وأن الشخص الذي يحاول عزلهم عن أسرهم أو يستغل مشاعرهم هو شخص يجب الابتعاد عنه مهما كانت كلماته جميلة، والأهم ألا ننتظر المشكلة حتى نبدأ في الاهتمام.
اجلسوا مع أبنائكم قبل أن يجلس معهم الغرباء، اسمعوهم قبل أن يجدوا من يسمعهم، اسألوهم عن يومهم، عن أصدقائهم، عن أحلامهم، وعن الأشياء التي تضايقهم، لا تسخروا من مشاعرهم ولا تقللوا من مشكلاتهم لمجرد أنها تبدو صغيرة في نظرنا.
أحيانًا كلمة بسيطة من الأب في الوقت المناسب قد تمنع مشكلة كبيرة، وأحيانًا حضن من الأم قد يكون أقوى من ألف نصيحة، وأحيانًا مجرد أن تقول لابنك «أنا موجود.. مهما حصل تعالى كلمني»، قد يجعله يفكر ألف مرة قبل أن يثق في شخص غريب.
علينا أن نعلم أبنائنا الحلال والحرام، وأن نربيهم على العفة والحياء وغض البصر، ويجب أن نترك لهم بابًا مفتوحًا للسؤال والحديث، وإذا أخطأ أحد الأبناء، فالعلاج لا يكون دائمًا بالصراخ والفضيحة والإهانة، وإنما بالنصح والتوجيه والاحتواء، فباب التوبة مفتوح، والهدف من التربية هو الإصلاح وليس الانتقام.
وفي النهاية، الأسرة ليست مجرد بيت ومصاريف وطعام وملابس، الأسرة هي المكان الأول الذي يتعلم فيه الإنسان معنى الحب والرحمة والاحترام والأمان.
والأب ليس مجرد شخص يدفع مصاريف البيت، وإنما هو قدوة وظهر وسند، والأم ليست فقط من تدير شؤون المنزل، وإنما هي أيضًا مصدر أمان واحتواء، أما الأبناء فهم أمانة، وسيسألنا الله عن هذه الأمانة.
لذلك لا تجعلوا أبناءكم يبحثون عن الاهتمام خارج البيت، ولا تتركوا الفراغ الذي يمكن أن يدخل منه شخص يستغل ضعفهم واحتياجهم، اقتربوا منهم قبل أن يقترب منهم الغرباء، اسمعوهم قبل أن يسمعهم غيركم، واحتووهم قبل أن يأتي من يستغل احتياجهم، فأقوى حصن يحمي أبناءنا من الفتن ليس الهاتف ولا المراقبة وحدها، وإنما بيت فيه دين ورحمة وحوار وأبناء يعرفون أن لهم أهلًا يستطيعون العودة إليهم مهما حدث.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج ابنك منك أكثر من أن يشعر أنك موجود، وربما لا تحتاج ابنتك إلى عشرات المحاضرات والمواعظ بقدر ما تحتاج أن تعرف أن والدها أول رجل في حياتها يمكنها أن تثق به وتحتمي به وتعود إليه، فحين يمتلئ البيت بالمودة والرحمة والإيمان، يصبح من الصعب على الغرباء أن يجدوا بابًا مفتوحًا إلى قلوب أبنائنا.