حالة الأب «سجين».. صغار على قوائم الوجع
تنمر وخجل ووصمة عار.. معاناة أبناء المساجين مع المجتمع
عكاز في المترو وصندوق أحلام منكسرة: وجوه الإنسانية الغائبة في مأساة أسر المساجين
محمد: بابا مسافر الناس مش بتقبل كلمة مسجون
رحمة: من ساعة ما أبويا أتحبس وأنا شفت أيام أسود من شعر راسي
استشاري نفسي يحذر زوجات المساجين من تشوية صورة الأب الذهنية
«العقوبة المقيدة للحرية» لا تطبق على مرتكب الجرم فقط، بل تشمل كل أفراد أسرته، فـ القضبان تقيد السجين، والمجتمع يقيد أبناءه بالنظرة العنصرية لهم وإصداره حكم عليهم بأنهم «مشبوهون»، وذلك علاوة على معاناتهم النفسية والمادية لحرمانهم من رب الأسرة وسلب حرية عائلها الوحيد.
بوجه يكسو الحزن والأسى يقول الطفل محمد نجل أحد المساجين: «بابا مسافر» هي إجابتي أنا وأخواتي الخمسة عن أي حد بيسألنا عن مكان والدنا، منوهًا بإن نظرة المجتمع لهم تجبرهم على الكذب عند السؤال عن مكان والدهم.
وعبّر محمد عن المعاناة التي يعيشها هو وأخوته عقب الحكم بسجن والدهم 15 عاما لاشتراكه بمشاجرة قتل على إثرها شخصين، مشيرًا إلى أن حرمانهم من والدهم أثر تأثيرًا نفسيًا بالغًا عليهم، كما أن سلب حرية عائل الأسرة الوحيد وضعها بمزق مالي كبير.
وأضاف محمد صاحب الـ 16 عاما، أنهم أنفقوا كل ما يملكون على المحامين ولم يبق لهم ما يسد احتياجاتهم من طعام وشراب، كما أن لديه 5 أشقاء في مراحل التعليم المختلفة.
وتابع: «برغم الظروف الصعبة التي نمر بها إلا أنها لم تؤثر على دراستنا»، مشيرًا إلى أن شقيقته الكبري بالفرقة الثانية بكلية طب أسنان.
وأخيرًا تمنى محمد من الله عز وجل فك كرب والده قائلًا "بحلم باليوم اللى بابا يطلع فيه، مفيش ظلم أكثر من أنى أتحرم من أبويا من وأنا عندي 8 سنين"، مشيرًا إلي تطلعه كأغلب أبناء جيله في احتراف كرة قدم والصعود بمصر لكاس العالم.
نفسي بابا يوصلني المدرسة زي أصحابي
«شيماء» شقيقة محمد أحلامها لامست أوتار القلب الحزين لابنة تفتقد السند والحنان، معبرة عن أمالها أن تصبح بطلة الجمهورية فى السباحة، وشاركت شقيقها أوجاعه لحرمانهم من والدهم.
ابنة الـ 14 عاما تابعت والدموع تنهمر على خديها «أنا ملحقتش أشبع من بابا هو اتسجن من وأنا عندي 6 سنين، ونفسى بابا يطلع ويوصلني المدرسة زي ما بشوف أبهات أصحابي».
الأب في السجن.. رحمة بطلة على ساق واحدة
في عربات مترو الإنفاق تكافح رحمة ابنة الـ 13 عاما على قدم واحدة، وعكاز خشبي بدائى بوجه طفولى برئ، وابتسامة تدخل إلى القلب بدون استئذان رغم غبار الحزن الذى يكسو قسمات جبينها مختلطًا بحبات العرق، ليخفى وراءه مراهقة ماتت مبكرا، تولد تحت وطأة هموم كادت تحيل براءة المراهقة إلى شيخوخة عجوز تخطت التسعين، لولا بقية من مرح وتفاؤل ربما لا تعرف لهما سببا، تحمل فى يدها صندوق «العسلية واللبان» تنادي عليهما وسط عربات مترو الأنفاق.
«من ساعة ما أبويا اتحبس وأنا شفت أيام أسود من شعر رأسى، ساعات بتصعب عليا نفسى، وأعيط من معاملة الناس، مع إن كل اللى أنا محتاجاه فرشة أبيع عليها وجهاز يغنينى عن العكاز».. هكذا لخصت رحمة حياتها المأساوية خلال حديثها لـ «تفصيلة»، لتسلط الضوء على معاناة أبناء المساحين بعد سلب حرية عائلهم الوحيد.
اقرأ أيضا
كيرلس متى تعود؟!.. قصة وجع لا تنتهي.. أم رحلت بعد انتظار يائس وشقيقته تبحث وأب لا يزال ينتظر
وأضافت «أبويا كان تاجر سمك، دخل السجن وأنا عندى 8 سنين، اتحكم عليه بـ 10 سنين فى قضية قتل، ومن يومها وأنا اللى بصرف على أمى وإخواتى، بأطلع عربيات المترو وأعرض بضاعتي على الناس، ساعات عسلية وساعات لبان، ومرة حلويات، وآخر اليوم بيكون ربنا فرجها بالأكل والشرب، وتبقى رضا أوى».
وتنهمك رحمة فى ترتيب أشياءها داخل صندوقها وكأنها تتشاغل عن شئ يطاردها قبل أن تلتفت قائلةً، صاحب البيت طردنا منه علشان اتأخرنا عليه فى دفع الإيجار، ودلوقتى بننام عند واحدة بتاخد مننا مبلغ كل يوم.
وتستعد «رحمة» للعودة إلى مشوارها اليومى بين ركاب المترو، قائلةً، «أنا كل اللى محتاجاه مكان ننام فيه، وفرشة ناكل منها عيش فى أى شارع، وجهاز يريحنى من العكاز».
الدفن على نفقة الميت.. الموت «المُكلف» يثقل كاهل الأسر المسيحية
احتوهم يرحمكم الله
من جانبه نصح الاستشاري النفسي جمال فرويز، زوجات المساجين باحتواء أبناءهن نفسيّا لمساعدتهم على تجاوز تلك المحنة بالتوضيح لهم أن مدة عقوبة والدهم ظروف طارئة على كل أفراد الأسرة تحمل تبعياتها.
وطالب فرويز خلال حديثه لـ «تفصيلة» من زوجات المساجين عدم التقليل من شأن أزواجهم أمام الأبناء ومحاولة تحسين صورة الأب الذهنية لدي الأبناء، بالتوضيح لهم إذا كان تعرض لظلم أو تاب إلي الله وندم على ما فعله، محذرًا لأمهات من السماح لأي شخص مهما كانت درجة قرابته من الأسرة بالتطاول اللفظي على الأب المسجون أمام أولاده.
وتعقيبًا على حديث الطفل محمد الذي يضطر لعدم الإدلاء بالحقيقة بالقول إن والده مسافر وليس سجين، قال فرويز «أن تشجيع الأم على ذلك لا ضرر فيه لإن المقصود منه تحسين صورة الطفل في المجتمع وتجنب تعرضه لتنمر أو مضايقات من أصدقاءه سواء على سبيل مزاح أو بوقت الخلافات».

