بمأتم خامنئي.. كيف تحولت آيات العزاء في طهران إلى قذائف دبلوماسية مشفرة؟
لم يكن مشهد الوفود الدولية وهي تتقدم لتقديم واجب العزاء عند نعش المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي في المصلى الكبير بطهران، مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، إذ تحول المجمع الصيفي الأكبر في البلاد على مدار ثلاثة أيام إلى منصة لاستعراض القوة وإرسال الرسائل السياسية الحادة عبر اختيار دقيق لآيات القرآن الكريم الملحقة بكل وفد.
رسالة إيران من مليونية تشييع علي خامنئي
أرادت إيران من الحدث الذي جمع أكثر من 30 وفدًا رسميًا، طمأنة شعبها بقدرة الدولة على الحشد، وتأكيد صمودها أمام القوى الكبرى، وإرسال إشارات مباشرة للخصوم والحلفاء على حد سواء، مبينة أن طهران بعيدة كل البعد عن العزلة التي تمناها أعداؤها.
آية غزوة بدر تشعل التساؤلات أمام الوفد السعودي
عندما وقف الوفد السعودي أمام النعش، تليت آية من سورة آل عمران، تصف غزوة بدر، حيث هزم جيش من المسلمين قليل العدد والعتاد، جيشًا أكبر بكثير بمشيئة الله، لم تمر مرور الكرام، واعتبرها مراقبون إشارة واضحة لما يصفه الكثيرون بانتصار إيران على الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما ضد البلاد، وهي الحرب التي خرجت منها إيران حسب القراءات السياسية أكثر قوة وسيطرة شبه واقعية على مضيق هرمز.
فتحت المعركة التاريخية التي دارت في أراضي المملكة العربية السعودية الحالية عام 624 ميلادي، الباب للتساؤل: هل كانت التلاوة مدحًا أم سخرية أم كلاهما؟ وسواء أُخذت الآية بحسن نية كإرث حضاري مشترك بين الرياض وطهران، فإن سياق الحياد السعودي أو التقارير التي تحدثت عن هجوم سري سعودي ضد إيران وتحالف هادئ مع واشنطن بينما كانت إسرائيل تسعى لإغراق المنطقة في الخراب، منح الآية نبرة حادة وتوبيخًا مبطنًا لمن وقف قريبًا من الأعداء.

تفاصيل الحظوة الاستثنائية لمحور المقاومة
تجلت التسلسلات الهرمية بوضوح في نوعية الآيات المخصصة لحلفاء إيران العسكريين “حماس، الجهاد الإسلامي، حزب الله، الحوثيون، الحشد الشعبي العراقي، وطالبان”، حيث تمحورت الرسائل حول الشهادة، العهود الإلهية، والنصر على النحو التالي:
- حماس: استُقبلت بآية "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"
- حزب الله: خُصصت له آية تعد بـ"اليد العليا" للمؤمنين، وتؤطر النكسات العسكرية كدورة إلهية لاختيار الشهداء وتمحيص القلوب
- الحوثيون: جرت تلاوة الآية 29 من سورة الفتح، واصفة إياهم بـ"أشداء على الكفار رحماء بينهم"، للإشادة بانضباطهم وقوتهم في مواجهة الضغوط.
- الحشد الشعبي: رُسخت مكانتهم بالآية الشهيرة التي تؤكد أن الشهداء "أحياء عند ربهم يرزقون"
- الجهاد الإسلامي وطالبان: تقاسمتا افتتاحية سورة الفتح "إنا فتحنا لك فتحًا مبينا"، وهي رسالة دمجت الحركة الفلسطينية والأفغانية في مرتبة أيديولوجية واحدة، ملمحة إلى أن هزيمة طالبان للأمريكيين يمكن تكرارها فلسطينيًا ضد الاحتلال الإسرائيلي.

كيف خاطبت طهران حلفاء الدولة الكبار؟
على النقيض تمامًا، جاءت التلاوة الثانية المخصصة للقوى الدولية الكبرى “روسيا، الصين، الهند، ومصر” بنبرة هادئة ركزت على البر، الطمأنينة، والثواب، دون أي إشارات للمعارك كالتالي:
- تلت إيران آيتين مختلفتين عند الوفد المصري، والمتمثلتين في: آية “الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن”
والآية الثانية: وُعدت بـ"جنات الخلود" للمتقين، في نص يخلو تمامًا من صور القتال وسفك الدماء
- روسيا: آية تتحدث عن الدار الآخرة المخصصة للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا
- الصين: تلقت آية طمأنينة: “وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله”
- الهند: وُجهت لها آية "ولا تهنوا ولا تحزنوا" ولكن مع حذف الأسطر المتعلقة بالشهداء والمذنبين
- هذه الآيات مثلت رسائل شكر لشركاء تطلب طهران ودهم ومنحوها الشرعية بحضورهم، دون محاولة دمجهم في سردية الحرب الأيديولوجية.
رسائل الدبلوماسية والوساطة لقطر وتركيا وباكستان
المجموعة الثالثة شملت دولًا تقف على مفترق طرق إقليمي، ترتبط بطهران تجاريًا وسياسيًا لكنها ترفض العباءة المسلحة، فجاءت الآيات تجمع بين الثناء والتحذير المبطن:
- قطر: نالت آية "الفتح المبين" ذاتها التي منحت لطالبان والجهاد، ولكن في سياق دبلوماسي يثني على الوساطة والدعم بدل الدعوة للسلاح
- تركيا: ركزت آيتها على تفضيل "المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجه"، في إشارة لموقف أنقرة التي اختارت الحياد العسكري رغم تحذيرات رئيسها أردوغان من إدمان إسرائيل للحرب
- باكستان: جاءت الآية كدعاء شخصي"وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق"، تقديرًا للحراك الدبلوماسي المشترك مع الدوحة لسد الفجوة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو التحرك الذي أزعج إسرائيل

سياط العتاب التلاواتي.. توبيخ علني حاد للحكومة اللبنانية
لم تكن السعودية وحدها من نال نصيبًا من الرسائل القاسية، فقد واجهت الحكومة اللبنانية الرسمية توبيخًا حادًا ومقارنة لا ترحم مع الثناء الموجه لحزب الله، إذ تليت في مواجهة الوفد اللبناني الآية 66 من سورة النساء: "ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا".
وجاء هذا الاختيار ليحمل إسقاطًا سياسيًا مباشرًا يتهم الحكومة اللبنانية بالتقاعس عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وبانتقادها للضربات الانتقامية التي يشنها حزب الله ضد القوات الإسرائيلية، واصفًا إياها بالتردد والتقاعس عن تقديم التضحيات الجسيمة في الأوقات المصيرية.





