بعد صعقها بسلك كهربائي.. استئناف المنيا تكشف تفاصيل وفاة فتاة على يد والدها
أيدت محكمة استئناف المنيا، برئاسة المستشار طه عبد الله، إدانة أب في قضية وفاة ابنته داخل منزل الأسرة بمركز سمالوط غرب، بعد أن ثبتت مسؤوليته عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت، مع تعديل العقوبة إلى الحبس لمدة عام مع الشغل، ووقف تنفيذها لمدة ثلاث سنوات، وذلك بعد ثبوت التصالح مع والدة المجني عليها، وإعمالًا لنص المادة 17 من قانون العقوبات.
وتعود تفاصيل القضية إلى شهر نوفمبر 2025، حين أحالت النيابة العامة المتهم «ع. م. ا.» إلى المحاكمة الجنائية، بعدما أسندت إليه تهمة قتل ابنته «د» عمدًا مع سبق الإصرار. وأوضحت النيابة في أمر الإحالة أن المتهم اعتدى على ابنته مستخدمًا سلكًا كهربائيًا موصلًا بالتيار، حيث قام بصعقها عدة مرات، ما أدى إلى إصابات جسيمة أودت بحياتها، كما وُجهت إليه تهمة إحراز أداة تُستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون مسوغ قانوني.
وخلال نظر الاستئناف، أكدت المحكمة اتفاقها مع ما انتهت إليه محكمة أول درجة بشأن انتفاء نية القتل وعدم توافر ظرف سبق الإصرار، موضحة أن أوراق الدعوى خلت من دليل يثبت أن المتهم عقد العزم على إزهاق روح ابنته. كما أشارت إلى أن استخدام السلك الكهربائي، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات قصد القتل، خاصة أن الثابت من التحقيقات أنه كان يلامس طرفي السلك لقدميها على فترات متقطعة، ولم يستمر في توصيل التيار الكهربائي بصورة تؤدي إلى الوفاة بشكل مباشر، بل سارع إلى نقلها إلى المستشفى عقب فقدانها الوعي.
وأوضحت المحكمة أن ما استقر في وجدانها هو أن المتهم قصد الاعتداء على ابنته وتأديبها، إلا أن هذا الاعتداء تجاوز الحدود القانونية وانتهى بوفاتها، وهو ما ينطبق عليه الوصف القانوني لجريمة الضرب المفضي إلى الموت.
ولفتت المحكمة إلى أن الواقعة جاءت عقب اطلاع الأب على مقاطع مصورة خاصة بابنته جرى تداولها، الأمر الذي أثار غضبه ودفعه إلى الاعتداء عليها داخل المنزل، مؤكدة أن الغضب، مهما بلغت أسبابه، لا يمكن أن يكون مبررًا لتجاوز القانون أو استخدام العنف، وأن التأديب لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة تنتهي بإزهاق الأرواح.
وخلال جلسات الاستئناف، حضرت والدة المجني عليها بصفتها الوريثة الشرعية، وأعلنت أمام المحكمة تصالحها مع زوجها المتهم، مؤكدة تنازلها عن حقوقها، ومشيرة إلى أن لديها أربعة أبناء آخرين ترغب في الحفاظ عليهم وعلى استقرار الأسرة.
ورأت المحكمة أن هذا التصالح، إلى جانب التوجه التشريعي الحديث الذي يجيز الصلح في بعض الجرائم، يبرر استعمال الرأفة، لا سيما أن المتهم ليس من أصحاب السوابق، وأن فقده لابنته، إلى جانب مثوله أمام القضاء، يمثل في حد ذاته ردعًا نفسيًا وأدبيًا.
وبناءً على ذلك، قررت المحكمة تخفيف العقوبة من الحبس لمدة عامين إلى الحبس لمدة عام واحد مع الشغل، مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات.
وفي ختام حيثيات الحكم، أكدت المحكمة أنها لم ترد أن يقتصر دورها على إصدار العقوبة، وإنما رأت أن من واجبها توجيه رسالة توعوية إلى المجتمع، وجاء في الحيثيات: “وإن المحكمة وهي تختم حديثها في تلك الدعوى، توجه حديثها وهي تبسط رداء العدالة على وقائع تلك الدعوى، ترى أن الواجب المقدس يمنعها من أن تكتفي بسطر الإدانة ووقف العقاب بعد صياغته، دون أن توجه للمجتمع صرخة نذير، وصيحة تحذير”.
ووجهت المحكمة رسالة إلى الفتيات قالت فيها: "إن الهواتف التي في أيديكن قد غدت مزالق للردى، وإن الانجرار وراء نزوات التصوير وهوس التعبير هو عبث بالستر المصون، فلا تجعلْن أجسادكن سلعة لكل مبتز أو وسيلة لكل عابث، فلقطة عابرة قد تهدم سمعة، وتفتح أبوابًا من الابتزاز والندم."
ووجهت كذلك رسالة إلى الآباء والأمهات، شددت خلالها على أن البيوت لا تُبنى بالعنف أو القسوة، وإنما بالاحتواء والحوار، مؤكدة أن التطور التكنولوجي فرض تحديات جديدة تستوجب مزيدًا من الوعي والرقابة، وأن علاج أخطاء الأبناء لا يكون بالتعذيب أو الانتقام، بل بالتربية السليمة والتقويم.
واختتمت المحكمة رسالتها بالتأكيد على أن هذه القضية ينبغي أن تكون درسًا لكل أسرة، وأن حماية الأبناء وصون الأعراض مسؤولية مشتركة، داعية إلى التمسك بالقيم والحفاظ على تماسك الأسرة، حتى لا تتكرر مثل هذه الوقائع المأساوية.



