هل تشهد بغداد انقلابًا أمريكيًا؟.. نجاح محمد علي يكشف المستور بشأن فضيحة الفساد بالعراق|تقرير خاص
يشهد العراق واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية منذ سنوات، بعدما طالت الإجراءات القضائية شخصيات كانت تعد جزءًا من البنية التقليدية للسلطة التي تشكلت بعد عام 2003.
فضيحة الفساد في العراق
ولم يعد الجدل يقتصر على حجم الشخصيات المستهدفة، بل امتد إلى التساؤل حول طبيعة ما يجري، هل هو بداية إصلاح مؤسسي حقيقي، أم مجرد تصفية حسابات وإعادة رسم لموازين القوى داخل النظام؟
في السياق، قال الباحث المتخصص في الشؤون الإقليمية والدولية، نجاح محمد علي، إن توصيف المشهد يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن الأحداث لا تزال في بدايتها، ولم تتضح نتائجها النهائية بعد.

ثلاث قراءات تفسر المشهد العراقي
وأوضح نجاح محمد علي في تصريح خاص لموقع تفصيلة، أن التفسير الأول، يكمن في أن الدولة العراقية، بدأت أخيرًا، محاولة جادة لاستعادة هيبتها عبر فتح ملفات فساد بقيت مغلقة لسنوات طويلة، مستفيدة من وجود إرادة سياسية وغطاء قضائي وأمني غير مسبوق.
وأضاف الباحث المتخصص في الشؤون الإقليمية والدولية، أن نجاح هذا المسار، يبقى مرهونًا باستمرار الإجراءات دون استثناءات، وأن تشمل جميع المتورطين مهما كانت انتماءاتهم السياسية أو مواقعهم، رغم أن الحملة حتى الآن لم تطل الخط الأول من الفاسدين.
السيناريو الثاني.. مكافحة الفساد أم إعادة رسم موازين القوى؟
أما القراءة الثانية، أكد، أن ملفات الفساد تستخدم كأداة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وما يرافقها من تغيرات في موازين النفوذ الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الطبقة الحاكمة في العراق.

وأشار نجاح محمد علي إلى أن كثيرًا من الأنظمة السياسية تستخدم ملفات الفساد لإضعاف الخصوم السياسيين، وليس بالضرورة ضمن مشروع إصلاح شامل، مؤكدًا أن معيار الحكم الحقيقي لن يكون عدد المعتقلين، وإنما مدى وصول الإجراءات إلى جميع المتورطين، ولا سيما "الحيتان الكبار".
السيناريو الثالث.. العراق يعيد ترتيب أوراقه وسط عاصفة إقليمية
ويربط التفسير الثالث ما يجري بالتحولات الإقليمية والدولية التي يعيشها العراق، مؤكدًا أن البلاد تقف اليوم عند تقاطع ملفات كبرى، من بينها إنهاء مهام التحالف الدولي ولو في الإعلام فقط، وإعادة تنظيم المؤسسة الأمنية، وحصر السلاح بيد الدولة، والإصلاحات الاقتصادية، والضغوط المتعلقة بالنظام المالي، ومكافحة غسل الأموال، إضافة إلى محاولات تحييد العراق عن صراعات المنطقة.
ويرى، أن هذه الملفات تجعل من الطبيعي أن تشهد الدولة عملية إعادة ترتيب واسعة لمؤسساتها.
هل يشهد العراق انقلابًا أمريكيًا؟
وطرح نجاح محمد علي، سؤالًا يتردد كثيرًا في الأوساط السياسية، هل ما يجري يمثل انقلابًا أمريكيًا داخل العراق؟ موضحًا أن هذا الوصف لا يزال مبكرًا الحديث عنه، لأن الانقلاب في المفهوم السياسي يعني تغييرًا غير دستوري في السلطة أو انتقال القرار السيادي إلى جهة خارجية بصورة مباشرة، وهو ما لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبته.

رغم ذلك، شدد المحلل السياسي على أنه لا يمكن تجاهل النفوذ الأمريكي في العراق، سواء عبر التعاون الأمني أو النظام المالي أو العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، فضلًا عن إعلان واشنطن أكثر من مرة دعمها لإصلاح مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد وتعزيز سلطة الحكومة الاتحادية.
وتابع، أن هذا النفوذ يمنح الولايات المتحدة قدرة على التأثير في اتجاهات المشهد العراقي، لكنه لا يعني بالضرورة أنها تدير جميع الأحداث أو تتحكم بكامل مسارها.
لماذا جاء التحرك الآن؟ أربعة أسباب تفسر التوقيت
وحدد نجاح محمد علي، أربعة عوامل رئيسية تفسر توقيت الحملة الحالية والمتمثلة في
- أولًا، اقتراب العراق من مرحلة إنهاء مهمة التحالف الدولي، وهو ما يفرض إعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسات الأمنية والعسكرية وتعزيز قدرة الدولة على إدارة الملف الأمني بصورة مستقلة، مع التأكيد على أن هذا الملف معقد، ولا يعني اقتراب الموعد بالضرورة استعادة كامل السيادة العراقية
- ثانيًا، تواجه الحكومة تحديات اقتصادية كبيرة، خاصة مع تقلب أسعار النفط، والحاجة إلى تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، وهو ما يجعل مكافحة الفساد جزءًا من متطلبات الإصلاح الاقتصادي.
- ثالثًا، هناك استعدادات مبكرة للاستحقاقات السياسية المقبلة، الأمر الذي يدفع مختلف القوى إلى إعادة تموضعها داخل المشهد السياسي.
- رابعًا، لا يمكن فصل العراق عن البيئة الإقليمية المضطربة، حيث تفرض التوترات ومحاولات منع انتقال الصراعات إلى الداخل العراقي إعادة ضبط مراكز القرار الأمني والسياسي بما ينسجم مع المصالح الوطنية
بين الإصلاح وصراع النفوذ.. الحقيقة أكثر تعقيدًا
وأفاد، بأن اختزال ما يجري في العراق باعتباره ثورة تصحيح فقط، أو تصفية حسابات فقط، أو انقلابًا أمريكيًا فقط، لا يعكس الصورة الكاملة، مؤكدًا أن الواقع أكثر تعقيدًا، إذ قد تتداخل الرغبة الحقيقية في مكافحة الفساد مع صراع النفوذ الداخلي، كما قد تتقاطع القرارات الوطنية مع الضغوط والمصالح الخارجية في الوقت نفسه.

النفط والاتفاقات الخارجية.. ملف يثير علامات استفهام
وبيّن، أن هناك اتجاه آخر يوضح، أن فهم ما يجري في العراق لا يكتمل بالنظر إلى حملة مكافحة الفساد وحدها، وإنما بوضعها ضمن سياق أوسع يشمل التحولات السياسية والاقتصادية والعلاقات الخارجية، مضيفًا أن هذا الاتجاه هو أن الحكومة تُتهم، في الوقت نفسه، بالمضي في سياسات اقتصادية واستراتيجية أثارت جدلًا واسعًا، من بينها تخصيص كميات كبيرة من النفط العراقي، للمساهمة في تجديد الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة المقابل الذي سيحصل عليه العراق، وما إذا كانت هذه الخطوة تمثل جزءًا من تفاهمات سياسية واقتصادية أوسع مع واشنطن.
ويستند أصحاب هذا الرأي، إلى مقارنة تطرح داخل الأوساط السياسية العراقية، مفادها أن حكومة عادل عبد المهدي تعرضت سابقًا لانتقادات حادة بسبب مشروع "النفط مقابل الإعمار" مع الصين، رغم أن الكميات المطروحة آنذاك كانت أقل بكثير مما يُتداول اليوم.
ويطرح هؤلاء تساؤلات بشأن أسباب اختلاف المواقف السياسية والإعلامية تجاه الملفين، وما إذا كانت المعايير أصبحت مرتبطة بطبيعة الشريك الدولي أكثر من ارتباطها بجوهر الاتفاقات نفسها.
وفي المقابل، يرى آخرون، أن الربط بين هذه الملفات قد يكون مبالغًا فيه، وأن حملة مكافحة الفساد ينبغي تقييمها وفق نتائجها القضائية ومدى شمولها لجميع المتورطين، بصرف النظر عن أي تفاهمات أو خيارات في السياسة الخارجية.
الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد
واختتم الباحث المتخصص في الشؤون الإقليمية والدولية تصريحه، بأن العراق يعيش مرحلة إعادة تموضع داخلي تتداخل فيها اعتبارات الإصلاح، وصراع مراكز النفوذ، والضغوط الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل من الصعب تفسير جميع التطورات من خلال عامل واحد فقط، مؤكدًا أن ما سيحسم طبيعة هذه المرحلة هو مدى تطبيق الإجراءات بمعايير واحدة على الجميع، بالتوازي مع قدر كافٍ من الشفافية في الملفات الاقتصادية والاستراتيجية التي تمس السيادة والثروة الوطنية.



