خاص| ما حقيقة القواعد العسكرية الإسرائيلية في العراق؟ تقارير غامضة تفتح ملف السيادة العراقية والصراع الإقليمي
عادت الصحراء الغربية في العراق إلى واجهة المشهد الأمني والسياسي، بعدما فجّرت تقارير إعلامية وتسريبات من مسؤولين عراقيين وإقليميين مزاعم خطيرة حول وجود مواقع عسكرية إسرائيلية سرية داخل الأراضي العراقية.
الروايات المتداولة تحدثت عن منشآت مخفية استُخدمت لدعم عمليات مرتبطة بالتصعيد مع إيران، ما أثار عاصفة من الجدل والتساؤلات بشأن حقيقة ما يجري بعيدًا عن أعين الدولة.
وفي وقت لم تصدر فيه تأكيدات رسمية حاسمة، تحولت القضية إلى ملف حساس يمس السيادة العراقية بشكل مباشر، ويعيد طرح أسئلة قديمة حول هشاشة الحدود، وتشابك النفوذ الإقليمي، ودور العراق المتزايد داخل صراعات الشرق الأوسط المعقدة.
اكتشاف غامض في صحراء النخيب يشعل الأزمة
بحسب ما أورده ستيفن صهيوني، الصحفي والمحلل السياسي السوري الأمريكي، في تحليل خاص لموقع “تفصيلة”، فإن بداية القصة تعود إلى راعٍ محلي يُدعى عواد الشمري، كان يتنقل قرب بلدة النخيب الواقعة غرب العراق مطلع العام الجاري.
وخلال تحركاته في المنطقة الصحراوية النائية، لاحظ الشمري نشاطًا غير معتاد، تمثل في وجود مروحيات عسكرية وخيام ومهبط طائرات مؤقت داخل منطقة معزولة بعيدة عن التجمعات السكانية.

وبدلًا من تجاهل الأمر، قام بإبلاغ السلطات العراقية بوجود تحركات مريبة في الصحراء.
لكن الواقعة تحولت لاحقًا إلى قضية رأي عام، بعد أن تحدثت تقارير وشهادات محلية عن مقتل الشمري في ظروف غامضة، إثر تعرضه لإطلاق نار من مروحية أثناء مروره مجددًا بالقرب من الموقع نفسه.
وأكدت أسرته، وفق الروايات المتداولة، أن سيارته عُثر عليها محترقة، بينما كانت جثته مشوهة بصورة كبيرة، ما دفع أقاربه للاعتقاد بأنه صادف دون قصد نشاطًا عسكريًا شديد الحساسية.
مزاعم عن منشآت إسرائيلية سرية داخل العراق
التقارير المتداولة لم تتوقف عند حادثة الراعي العراقي، بل ذهبت أبعد من ذلك، بعدما زعم مسؤولون عراقيون وإقليميون أن الموقع المكتشف قرب النخيب كان منشأة دعم إسرائيلية سرية.
وبحسب تلك المزاعم، لم يكن دور الموقع مقتصرًا على المراقبة أو جمع المعلومات الاستخباراتية، بل استُخدم أيضًا كمركز دعم لوجستي وعملياتي، لتنسيق التحركات الجوية، وتزويد الطائرات بالوقود، وتقديم الدعم الطبي الطارئ خلال العمليات بعيدة المدى.

كما تحدثت مصادر أمنية عن احتمال استخدام المنشأة خلال المواجهة العسكرية التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران 2025، في إطار ترتيبات عسكرية أوسع بدأت منذ أواخر عام 2024.
ووفقًا للمعلومات المتداولة، فإن مخططين عسكريين اختاروا مناطق صحراوية معزولة غرب العراق لإنشاء مواقع مؤقتة يصعب اكتشافها أو مراقبتها بشكل دائم.
قاعدة ثانية تزيد الغموض والتساؤلات
تعقدت القضية أكثر بعد حديث مسؤولين عراقيين عن وجود موقع سري ثانٍ داخل الصحراء الغربية، دون الكشف عن موقعه الجغرافي.
وبحسب مصادر سياسية، تلقى عدد من النواب العراقيين إحاطات أمنية مغلقة حول القضية، فيما نقل عن أحد البرلمانيين قوله إن “قاعدة النخيب لم تكن سوى الموقع الذي تم اكتشافه فقط”.

هذا الحديث فتح الباب أمام احتمالات وجود شبكة عمليات سرية أكبر من مجرد منشأة منفردة، وهو ما أثار مخاوف داخل الأوساط السياسية العراقية من تحول البلاد إلى ساحة تحركات عسكرية خفية مرتبطة بالصراع الإيراني الإسرائيلي.
اشتباكات غامضة خلال تحرك القوات العراقية
وفق الروايات العسكرية المتداولة، بدأت السلطات العراقية تنفيذ عمليات استطلاع بعد تلقي بلاغات من السكان المحليين بشأن التحركات المشبوهة في الصحراء الغربية.
لكن التقارير تحدثت عن تعرض دورية عراقية لهجوم أثناء توجهها إلى المنطقة، ما أدى إلى مقتل جندي وإصابة آخرين، فضلًا عن تضرر آليات عسكرية واضطرار القوات للانسحاب.

ورغم عدم الإعلان رسميًا عن الجهة المنفذة للهجوم، فإن شخصيات عسكرية عراقية ألمحت إلى احتمال تورط جهات أجنبية، خاصة مع وجود شكوك سابقة حول نشاط غير طبيعي داخل تلك المناطق النائية.
هل كانت الولايات المتحدة على علم؟
الجانب الأكثر حساسية في القضية يتعلق بالولايات المتحدة، بعدما تحدث مسؤولون عراقيون عن أن واشنطن ربما كانت على علم مسبق بإحدى المنشآت على الأقل.
ووفق تلك الروايات، جرى إبلاغ الجانب الأمريكي عبر قنوات التنسيق العسكري، دون أن يتم إخطار بغداد بشكل رسمي.
وفي حال ثبوت هذه المعلومات، فإن ذلك سيضع العراق أمام أزمة سياسية ودبلوماسية معقدة، خاصة أن القوانين العراقية تفرض إبلاغ السلطات بأي نشاط عسكري أجنبي داخل البلاد.
ويرى مراقبون أن هذا السيناريو يضع بغداد أمام احتمالين كلاهما صعب؛ إما أن السلطات لم تكن تعلم بما يجري داخل أراضيها، أو أن بعض الجهات كانت على دراية لكنها فضلت الصمت.
الصحراء الغربية.. بيئة مثالية للعمليات السرية
لطالما شكلت الصحراء الغربية العراقية تحديًا أمنيًا كبيرًا بسبب طبيعتها الجغرافية القاسية واتساع مساحاتها وقلة الكثافة السكانية فيها.
وتاريخيًا، استُخدمت تلك المناطق من قبل جماعات التهريب والتنظيمات المسلحة، كما برزت خلال الحرب ضد تنظيم داعش والغزو الأمريكي باعتبارها من أصعب المناطق مراقبة.

ويؤكد محللون أن هذه البيئة تمنح أي جهة ترغب في تنفيذ عمليات مؤقتة أو سرية فرصة كبيرة للتحرك بعيدًا عن الرصد التقليدي.
العراق بين واشنطن وطهران.. معضلة مستمرة
خلال السنوات الماضية، حاول العراق الحفاظ على توازن دقيق بين علاقته الأمنية مع الولايات المتحدة، وبين النفوذ الإيراني الواسع داخل المشهد السياسي والعسكري.
لكن التطورات الأخيرة أعادت المخاوف من تحول العراق من دولة تحاول تجنب الصراع، إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوى الإقليمية والدولية.
ويرى مسؤولون عراقيون أن ما يجري يمثل “استخفافًا صارخًا بالسيادة العراقية”، خاصة إذا ثبت وجود أي نشاط عسكري أجنبي غير معلن داخل البلاد.
قصة مفتوحة على احتمالات خطيرة
حتى الآن، لا تزال الكثير من تفاصيل القضية غامضة، وسط غياب بيانات رسمية حاسمة تؤكد أو تنفي بشكل نهائي تلك المزاعم.
وفي الوقت نفسه، تواصل عائلة عواد الشمري المطالبة بتحقيق شامل في ظروف وفاته، بينما تتزايد التساؤلات داخل العراق بشأن حقيقة ما يجري في الصحراء الغربية.
ومع اتساع صراعات الظل في المنطقة، يبدو أن العراق يقف مجددًا أمام اختبار صعب يتعلق بقدرته على فرض سيادته ومنع أراضيه من التحول إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.. فهل تكشف الأيام القادمة حقيقة تلك القواعد السرية أم تبقى القصة رهينة الغموض والتسريبات؟



