حسين الأسعد لـ«تفصيلة»: الشارع العراقي ينتظر ملاحقة الحيتان الكبيرة واستعادة الأموال المنهوبة
قال الباحث السياسي العراقي حسين الأسعد إن العراق يعاني منذ عام 2003 وحتى اليوم من أزمة حقيقية في مؤسسات الدولة، موضحا أن معايير الشفافية لم تكن بالمستوى الذي يحافظ على المال العام، بسبب اعتماد النظام السياسي على المحاصصة لا الشراكة، وهو ما جعل المناصب وسيلة لتحقيق المصالح، وأسهم في وصول البلاد إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي وظهور "إمبراطوريات الفساد".
وأضاف الأسعد في تصريحات خاصة لـ«تفصيلة» أن العراق يحتل مرتبة متأخرة في مؤشرات مدركات الفساد، إذ يأتي في المرتبة 145 من أصل 180 دولة، وهو ما يعكس ضعف منظومة مكافحة الفساد، رغم الموازنات الضخمة التي حصلت عليها الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003.
الأزمة الاقتصادية
وأشار إلى أن التوترات في مضيق هرمز وتعطل تصدير النفط العراقي ساهما أيضا في تفاقم الأزمة الاقتصادية، لافتا إلى أن الديون، بما فيها الداخلية، تقترب من 150 مليار دولار، وهو رقم كبير مقارنة بحجم الموازنات التي أقرت خلال السنوات الماضية.
مكافحة الفساد
وأوضح الأسعد أن رئيس الوزراء علي الزيدي، بدعم دولي وباعتباره لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، حصل على مساحة للتحرك في ملف مكافحة الفساد، مؤكدا أن ما جرى حتى الآن يمثل بداية فقط، إذ ما تزال هناك أعداد كبيرة من المطلوبين للقضاء في قضايا فساد.
وأضاف أن وكالات أنباء تحدثت قبل أسابيع عن حملة تستهدف نحو ألف متهم بالفساد، بينهم وزراء ونواب ورؤساء وزراء سابقون، معتبرا أن الحملة التي بدأت فجر أمس تمثل المرحلة الأولى، وقد لاقت ترحيبا واسعا في الشارع العراقي، الذي ينتظر ملاحقة ما وصفهم ب"الحيتان الكبيرة" واستعادة الأموال المنهوبة من خزينة الدولة.
وأكد السياسي العراقي أن خطوة الزيدي تمثل بداية مهمة، إلا أن نجاحها سيقاس بمدى استمرارها ووصولها إلى الشخصيات الكبرى المتورطة في قضايا الفساد، مشيرا إلى أن رؤساء الحكومات السابقين بدأوا ولاياتهم بإعلانات مشابهة عن مكافحة الفساد، لكنها لم تستمر.
سرقة القرن
واستشهد الأسعد بقضية "سرقة القرن" التي كشف عنها خلال فترة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، والتي قدرت بنحو 6 مليارات دولار من أموال الضرائب، موضحا أن المتهم الرئيسي نور زهير شمله العفو بعد استرداد جزء من الأموال، وهو ما عزز لدى العراقيين الانطباع بأن من يعيد الأموال يطلق سراحه.
وأشار إلى أنه لا يعتقد أن هذا السيناريو سيتكرر مع حكومة الزيدي، لأن الاكتفاء باسترداد الأموال دون محاسبة المتورطين سيؤدي إلى استمرار الفساد.
وقال السياسي العراقي إن جميع العراقيين كانوا ينتظرون هذه الخطوة، وإن الأسماء المتداولة للمطلوبين وصلت إلى 48 اسما، من بينهم رئيس تحالف "عزم" مثنى السامرائي، والنائبة السابقة عالية نصيف، وشخصيات بارزة أخرى، من بينها زياد الجنابي الذي سبق أن ترأس لجنة النزاهة البرلمانية، معتبرا أن وجود مسؤولين تولوا ملفات مكافحة الفساد ضمن قوائم المتهمين يعكس حجم الأزمة التي تعيشها البلاد.
نظام المحاصصة
وأضاف أن نظام المحاصصة هو السبب الرئيسي فيما وصل إليه العراق من فساد، مؤكدا أنه ليس متشائما ولا متفائلا، بل يستند في تقييمه إلى تجارب سابقة انتهت بعد خطوات أولى دون استكمالها، معربا عن أمله في أن يحظى الزيدي بفرصة مختلفة تتيح استعادة الأموال المنهوبة.
وأوضح أن العراق يعاني حاليا من أزمة سيولة أثرت في صرف الرواتب، إذ تأخرت مستحقات العديد من الوزارات، في وقت لا تزال فيه الأموال، بحوزة الفاسدين.
واختتم الأسعد تصريحاته بالتأكيد أن هذه الخطوة تحظى بتأييد واسع من الشعب العراقي، داعيا إلى استمرارها وعدم الاكتفاء بما تحقق حتى الآن، لأن أوضاع النزاهة في العراق لم تعد تحتمل مزيدا من التأجيل، مشددا على ضرورة محاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة، حتى يتمكن العراق من النهوض في مجالات الاقتصاد والإعمار والتعليم والصحة والخدمات، مؤكدا أن نجاح الحملة يتطلب ملاحقة آلاف المتورطين، وفي مقدمتهم الشخصيات الكبرى، حتى لا تتحول الإجراءات الحالية إلى مجرد دعاية لكسب ثقة الشارع العراقي.

