في ذكرى ميلاده.. أسرار ومحطات الفقيه المستنير الشيخ حسن مأمون الذي قاد الإفتاء والأزهر
أحيت وزارة الأوقاف ذكرى ميلاد الإمام الأكبر الشيخ حسن مصطفى مأمون، شيخ الأزهر الشريف الأسبق ومفتي الديار المصرية الأسبق، أحد أبرز الرموز العلمية والدينية التي أنجبتها المؤسسة الأزهرية خلال القرن العشرين، والذي ترك إرثًا علميًا وفقهيًا وقضائيًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الأزهر ودار الإفتاء المصرية حتى اليوم.
وأكدت الوزارة أن الشيخ حسن مأمون يُعد نموذجًا للعالم الأزهري الموسوعي الذي جمع بين العلم الشرعي والعمل القضائي والفقهي، وأسهم في خدمة الإسلام والأمة والوطن عبر مسيرة طويلة امتدت لعقود من العطاء المتواصل في مختلف المواقع التي تقلدها.
النشأة في حي الخليفة
وُلد الإمام الأكبر الشيخ حسن مصطفى مأمون في الثالث عشر من يونيو عام 1894م بحي الخليفة العريق في القاهرة، داخل أسرة أزهرية عُرفت بالعلم والالتزام الديني، الأمر الذي هيأ له بيئة تربوية ساعدته على التعلق بالعلم الشرعي منذ سنوات عمره الأولى.
وفي سن مبكرة أتم حفظ القرآن الكريم وأتقن أحكام تلاوته وتجويده، قبل أن يلتحق بالأزهر الشريف الذي كان آنذاك المنارة العلمية الكبرى للعالم الإسلامي، حيث تلقى علوم الشريعة واللغة العربية والعلوم الإسلامية على أيدي كبار علماء عصره.
ولم يكتف الشيخ حسن مأمون بالدراسة الأزهرية التقليدية، بل واصل تعليمه في مدرسة القضاء الشرعي، التي كانت تمثل واحدة من أهم المؤسسات العلمية المتخصصة في إعداد القضاة الشرعيين، وتخرج فيها عام 1918م، كما حرص على توسيع مداركه الثقافية من خلال الإلمام باللغة الفرنسية إلى جانب تمكنه من علوم اللغة العربية والعلوم الشرعيه
بدأت رحلة الشيخ حسن مأمون العملية داخل منظومة القضاء الشرعي، حيث أثبت كفاءة كبيرة وقدرة متميزة على التعامل مع القضايا الشرعية المختلفة، ما أهله للتدرج في العديد من المناصب القضائية المهمة.
وخلال سنوات عمله اكتسب سمعة واسعة باعتباره من القضاة المعروفين بالدقة والنزاهة وسعة الاطلاع، حتى تم تعيينه عام 1941م قاضيًا لقضاة السودان، وهو منصب يُعد من أرفع المناصب القضائية في ذلك الوقت، ما عكس حجم الثقة التي حظي بها داخل المؤسسات القضائية والشرعية.
وعقب عودته إلى مصر، واصل صعوده في السلم القضائي، فتولى عددًا من المناصب البارزة، من بينها رئاسة المحكمة الشرعية العليا، وهي إحدى أهم الهيئات القضائية المختصة بالأحوال الشخصية والقضايا الشرعية آنذاك.
مفتي الديار المصرية
شهد الأول من مارس عام 1955م محطة فارقة في مسيرة الشيخ حسن مأمون، عندما صدر قرار تعيينه مفتيًا للديار المصرية، ليصبح المسؤول الأول عن الإفتاء في البلاد في مرحلة شهدت العديد من التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية.
وخلال فترة توليه دار الإفتاء المصرية، أصدر أكثر من اثني عشر ألف فتوى موثقة ومسجلة في سجلات الدار، وهو رقم يعكس حجم الجهد العلمي الذي بذله في معالجة القضايا الشرعية المختلفة التي عُرضت عليه.
واتسمت فتاواه بالدقة العلمية والالتزام بأصول الفقه الإسلامي ومقاصد الشريعة، كما عُرف بقدرته على الربط بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع، الأمر الذي جعل فتاواه مرجعًا مهمًا للباحثين والمتخصصين في العلوم الشرعية.
وقد أظهرت هذه الفتاوى سعة علمه وتنوع معارفه وحرصه على تقديم الأحكام الشرعية بصورة تراعي مصالح الناس وتحفظ ثوابت الدين الإسلامي.
الشيخ التاسع والثلاثون للأزهر الشريف
في السادس والعشرين من يوليو عام 1964م، تولى الإمام حسن مأمون مشيخة الأزهر الشريف، ليصبح الشيخ التاسع والثلاثين في تاريخ المؤسسة الأزهرية الممتد لأكثر من ألف عام.
وجاءت فترة توليه المشيخة في مرحلة مهمة من تاريخ الأزهر، حيث عمل على دعم مسيرة التطوير العلمي والدعوي، وساهم في مواجهة العديد من التحديات التي واجهت المؤسسة الدينية في تلك الفترة.
واهتم الإمام الأكبر بتعزيز الدور العلمي للأزهر داخل مصر وخارجها، كما حرص على دعم حركة البحث العلمي والدراسات الإسلامية، وتشجيع العلماء والباحثين على مواصلة العمل العلمي الرصين.
اقرأ أيضا
شكاوى بين طلاب الأزهر بالشرقية بعد امتحان الفيزياء: الأسئلة جاءت صعبة وغير مباشرة
وكان من أبرز إسهاماته خلال تلك المرحلة مشاركته في الإشراف على مشروع الموسوعة الفقهية الكبرى، التي هدفت إلى جمع التراث الفقهي الإسلامي وتصنيفه وتيسير الاستفادة منه للأجيال الجديدة من العلماء والباحثين.
اشتهر الشيخ حسن مأمون بكونه واحدًا من كبار الفقهاء الذين جمعوا بين الالتزام بأصول الشريعة الإسلامية والانفتاح على متطلبات العصر.
فقد امتلك رؤية علمية واسعة جعلته قادرًا على معالجة القضايا الفقهية المستجدة بروح اجتهادية منضبطة، دون إخلال بثوابت الدين أو أصوله الراسخة.
وكان يتمتع بقدرة كبيرة على التحليل والاستنباط، الأمر الذي جعله يحظى باحترام واسع بين علماء الأزهر والقضاة والباحثين في العلوم الإسلامية.
لم تقتصر جهود الإمام حسن مأمون على العمل القضائي والإفتائي والإداري، بل امتدت إلى مجال التأليف والبحث العلمي، حيث ترك عددًا من الكتب والدراسات التي تناولت قضايا فقهية وفكرية مهمة.
ومن أبرز مؤلفاته كتاب «الفتاوى» الذي ضم جانبًا من اجتهاداته العلمية، وكتاب «السيرة العطرة» الذي تناول جوانب من السيرة النبوية الشريفة، وكتاب «الجهاد في الإسلام» الذي ناقش مفهوم الجهاد وأبعاده الشرعية والحضارية.
اقرأ أيضا
أين ذهبت تعيينات معيدي الأزهر؟ طلب برلماني يحسم مصير دفعات عشر سنوات
كما كتب العديد من البحوث والدراسات المتخصصة التي أثرت المكتبة الإسلامية وأسهمت في خدمة العلوم الشرعية والفقهية.
لم يكن الشيخ حسن مأمون عالمًا منعزلًا عن قضايا مجتمعه وأمته، بل عُرف بمواقفه الوطنية والقومية التي عبرت عن إحساسه بالمسؤولية تجاه القضايا الكبرى التي واجهت العالم العربي والإسلامي.
ومن أبرز تلك المواقف دعوته الشهيرة إلى استخدام سلاح البترول عقب عدوان يونيو عام 1967م، باعتباره وسيلة للضغط السياسي والاقتصادي دعمًا للقضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وعكست هذه المواقف إدراكه للدور الذي يمكن أن يؤديه العلماء في الدفاع عن مصالح أوطانهم وأمتهم، إلى جانب دورهم العلمي والدعوي.
في التاسع عشر من مايو عام 1973م، رحل الإمام الأكبر الشيخ حسن مأمون بعد حياة حافلة بالعلم والعمل والعطاء الوطني، تاركًا خلفه سجلًا زاخرًا بالإنجازات في مجالات القضاء والإفتاء والتعليم الديني.
ورغم مرور عقود على وفاته، ما زال اسمه حاضرًا في تاريخ الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية باعتباره واحدًا من كبار العلماء الذين أسهموا في ترسيخ مكانة المؤسسة الدينية المصرية داخل العالم الإسلامي.
اقرأ أيضًا.. لأصحاب الدخل المحدود.. الحكومة تكشف شروط الاستمرار في منظومة الدعم الجديدة

