د. سلوى زكي تكتب: ماذا لو تحولت المرأة فى الصيف من ثروة اقتصادية غير مستغلة إلى قيادة للتنمية الوطنية
المرأة في الصيف.. استثمار اقتصادي موسمي يمكن أن يتحول إلى مشروع قومي
كيف يمكن تحويل الإجازة الصيفية إلى قوة إنتاج تدعم الاقتصاد المصري؟
في الوقت الذي تستعد فيه الأسر المصرية لاستقبال فصل الصيف باعتباره موسمًا للإجازات والرحلات، يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يتحول الصيف من موسم للاستهلاك إلى موسم للإنتاج؟
الإجابة تكمن في استثمار طاقات المرأة المصرية، التي أثبتت عبر العقود أنها ليست فقط ربة منزل أو موظفة، بل شريك رئيسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالصيف يمثل فرصة ذهبية لإطلاق آلاف المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بما يسهم في زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين دخول الأسر، وخلق فرص عمل جديدة.
المرأة... رأس مال اقتصادي
لم يعد مفهوم رأس المال يقتصر على الأموال والمصانع، بل أصبح يشمل الموارد البشرية، وفي مقدمتها المرأة. فالاستثمار في مهارات السيدات ينعكس على الاقتصاد بأكمله، لأن المرأة تعيد ضخ جزء كبير من دخلها في تعليم الأبناء، والرعاية الصحية، وتحسين مستوى المعيشة، وهو ما يعزز التنمية البشرية ويرفع جودة الحياة.
وتؤكد التجارب الدولية أن زيادة مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي تسهم في رفع الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، وتوسيع قاعدة المشروعات الصغيرة، وهي عناصر أساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
لماذا الصيف؟
يشهد فصل الصيف تغيرًا واضحًا في أنماط الإنفاق والاستهلاك، حيث يزداد الطلب على الأغذية والمشروبات والملابس الصيفية، والخدمات الترفيهية، والأنشطة التعليمية، والمنتجات اليدوية، والسياحة الداخلية. وهذا الطلب يخلق سوقًا واسعة يمكن للسيدات الدخول إليها بإنتاج محلي عالي الجودة.
فعندما يرتفع الطلب على المنتجات والخدمات الصيفية، فإن زيادة الإنتاج المحلي من خلال المشروعات النسائية تساعد على استقرار السوق، وتقليل الواردات، وتنشيط التجارة الداخلية.
مبادرة وطنية بعنوان: "صيف منتج"
يمكن إطلاق مبادرة قومية تحت شعار "صيف منتج"، تستهدف تدريب السيدات والفتيات على تنفيذ مشروعات موسمية، بالتعاون بين الوزارات والجامعات والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
وتشمل المبادرة:
تدريب مجاني على إدارة المشروعات الصغيرة.
تعليم التسويق الإلكتروني والتصوير الاحترافي للمنتجات.
توفير قروض متناهية الصغر بفوائد ميسرة.
تخصيص معارض وأسواق موسمية في المحافظات والمصايف.
إنشاء منصة إلكترونية وطنية لتسويق منتجات السيدات داخل مصر وخارجها.
قطاعات واعدة
يمكن للسيدات العمل في مجالات تحقق قيمة مضافة للاقتصاد، مثل:
الصناعات الغذائية المنزلية.
الملابس والمفروشات والإكسسوارات.
إعادة تدوير المخلفات وتحويلها إلى منتجات قابلة للبيع.
المشغولات اليدوية والتراثية.
الحضانات والأنشطة الصيفية للأطفال.
التدريب والتعليم الإلكتروني.
الزراعة المنزلية وإنتاج النباتات والزهور.
خدمات التصميم والتسويق الرقمي والعمل الحر عبر الإنترنت.
أثر اقتصادي مباشر
إذا تمكنت مئات الآلاف من السيدات من إنشاء مشروعات صغيرة، فإن ذلك يؤدي إلى:
زيادة الإنتاج المحلي.
خلق فرص عمل جديدة.
رفع دخول الأسر.
تنشيط الأسواق الداخلية.
تقليل معدلات البطالة.
تقليل الاعتماد على الواردات في بعض المنتجات.
زيادة الحصيلة الضريبية مع توسع الاقتصاد الرسمي.
المحافظات... كنوز إنتاجية
لكل محافظة ميزة نسبية يمكن البناء عليها؛ فالمحافظات الساحلية يمكنها التركيز على الصناعات والخدمات المرتبطة بالسياحة، بينما تشتهر محافظات الدلتا بالصناعات الغذائية والحرف اليدوية، ويمكن لمحافظات الصعيد تقديم منتجات تراثية ذات قيمة عالية في الأسواق المحلية والخارجية.
إن استثمار هذه المزايا المحلية يمنح كل محافظة هوية اقتصادية مميزة، ويخلق فرصًا متوازنة للتنمية.
رؤية خارج الصندوق
يمكن استغلال الحدائق العامة ومراكز الشباب وقصور الثقافة والمدارس خلال الإجازة الصيفية لتحويلها إلى مراكز تدريب وإنتاج مؤقتة، تستضيف ورشًا لتعليم الحرف وريادة الأعمال والتجارة الإلكترونية، مع إقامة أسواق أسبوعية لعرض المنتجات. وبهذا تتحول المرافق العامة إلى منصات للتنمية الاقتصادية وخدمة المجتمع.
رسالة إلى صناع القرار
إن تمكين المرأة اقتصاديًا ليس بندًا في برامج التنمية، بل استثمار في مستقبل الدولة. وكل جنيه يُنفق على تدريب سيدة أو دعم مشروع صغير يمكن أن يعود بعائد اقتصادي واجتماعي مضاعف، من خلال زيادة الإنتاج، وتحسين مستوى المعيشة، وتعزيز الاستقرار الأسري.
إن الاقتصاد القوي يبدأ من الأسرة المنتجة، والأسرة المنتجة تبدأ بامرأة تمتلك الفرصة والمهارة والدعم. وإذا نجحنا في تحويل صيف كل عام إلى موسم للإنتاج النسائي، فإننا لا نصنع مشروعات صغيرة فحسب، بل نبني اقتصادًا أكثر تنوعًا واستدامة، ونرسخ ثقافة العمل والإبداع باعتبارهما الطريق الحقيقي نحو الجمهورية الجديدة.