آخر ابتسامة على كوبري المنيب.. قصة مدير محل الحلوى الذي ودّع الحياة فجأة
في صباح شتوي باكر، كانت شوارع الجيزة لا تزال ترتدي حلة الضباب الخفيف، والمدينة تتثاءب ببطء تحت وهج الشمس الباهت. كان سامح، مدير محل الحلويات الصغير الذي ورثه عن والده، يستعد ليوم جديد من العمل، مبتسمًا كما اعتاد، يحمل في قلبه حلمًا بسيطًا: أن يرى محله ينبض بالحياة والفرح كما في أيام الطفولة.
سامح لم يكن مجرد مدير محل حلوي، بل كان رمزًا للطيبة والصبر، يعرف كل زبون باسمه ويبتسم لكل طفل يطرق باب متجره، يداعبهم بحلوى صغيرة وكلمات دافئة؛ كان يؤمن أن الحلوى ليست مجرد طعام، بل رسالة حب وسعادة يمكنها أن تضيء قلب أي شخص، حتى في أحلك أيامه.
لكن ذلك اليوم، الذي بدأ عاديًا، كان يحمل في طياته مأساة لم يكن أحد يتوقعها. بعد أن أنهى بعض الإجراءات الإدارية في المحل، قرر سامح الذهاب إلى كوبري المنيب لإتمام بعض الأعمال الصغيرة المتعلقة بتوريد المواد الخام.
لم يكن يعلم أن هذا الطريق، الذي يمر كل يوم وكأنه مألوف، سيصبح آخر مشهد في حياته.
في لحظة غير متوقعة، فقد سامح توازنه. ربما كان بسبب عارض صحي مفاجئ، أو ربما هبوب نسيم خفيف جعله يفقد السيطرة. وقع من أعلى الكوبري، واشتعلت في الأذهان صور الصدمة والرعب.
شهداء عيان هرعوا لمكان الحادث، لكن لم يكن بوسع أحدهم فعل شيء. كل ما تبقى هو الصمت الموحش وصدى الصرخات الخافتة التي اختلطت بصوت حركة السيارات على الكوبري.
نُقلت جثة سامح إلى ثلاجة المستشفى، حيث جلست أسرته وأصدقاؤه في صمت مريع، يحاولون فهم ما حدث. لم يكن مجرد مدير محل حلويات بالنسبة لهم، بل كان روحًا مليئة بالحب والحنان، إنسانًا جعل الحياة أحلى لمن حوله.
أصابتهم الصدمة بشدة، ولكنها كانت أيضًا لحظة للتأمل في هشاشة الحياة وسرعة رحيلها، حتى لأكثر الناس لطفًا وإشراقًا.
النيابة بدأت تحقيقاتها، والشهود سردوا كل ما رأوه بعين الحقيقة، لكن لا تحقيق يمكنه أن يعيد سامح.
وبينما كان الناس يتداولون الخبر، ظهرت الكثير من القصص الصغيرة عن سامح، كيف كان يساعد جاره الفقير، كيف يبتسم للأطفال في الشارع، وكيف كان يزرع الأمل في القلوب بالحلوى والكلمة الطيبة.
في المحل، بقيت أرفف الحلوى مرتبة كما كانت، لكنها لم تعد تحمل نفس الدفء. زبائن سامح توقفوا عن الابتسام كما في السابق، كل قطعة حلوى تذكرهم بالروح الطيبة التي رحلت فجأة.
ومع مرور الأيام، أصبح المحل مكانًا للذكريات، والناس يأتون ليس فقط للشراء، بل لإحياء ذكرى الرجل الذي جعل حياتهم أحلى، ولو للحظة قصيرة.
سقوط سامح من الكوبري لم يكن مجرد حادث، بل رسالة صامتة عن قيمة الإنسان في حياة من حوله، وعن هشاشة اللحظات التي نظنها عابرة.
ترك خلفه فراغًا لا يملؤه شيء، وابتسامة تذكّر الجميع أن الحياة ثمينة، وأن كل لحظة يجب أن نعيشها بحب وعطاء كما عاش هو.

