رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

بين الخرسانة والدموع.. قصة فتاة قطعها شقيقها ووالدتها في السلام

جثة
جثة

في أحد شوارع السلام الهادئة، حيث تتجاور البيوت وتتشابه الوجوه، كانت الحكاية تبدأ بصمتٍ ثقيل لا يسمعه أحد.

هناك، خلف باب شقة متواضعة، كانت تعيش فتاة صغيرة الحلم، كبيرة القلب، تظن أن البيت هو الملاذ الأخير من قسوة العالم. لم تكن تعلم أن الجدران قد تضيق حتى تخنق، وأن القلوب التي يفترض أن تحمي قد تتحول إلى سيوفٍ غادرة.

كبرت الفتاة بين أمٍ أنهكتها الحياة، وأخٍ حمل فوق كتفيه غضبًا أكبر من عمره. كانت الخلافات في ذلك البيت كشراراتٍ صغيرة، تتطاير كل يوم، لكن أحدًا لم يتخيل أن تتحول تلك الشرارات إلى نارٍ تحرق كل شيء. 

كانت تحاول دائمًا أن تكون الجسر بينهما، أن تُطفئ النزاع بكلمة طيبة أو ابتسامة خجولة. كانت تؤمن أن العائلة، مهما تصدعت، يمكن أن تُرمم بالمحبة.

في الليلة الأخيرة، كان الصمت مختلفًا. لم يكن صمتًا عابرًا، بل كان ثقيلاً كأنه يسبق عاصفة. ارتفعت الأصوات، واشتدت الكلمات، وتحوّل الغضب إلى قرارٍ مظلم. في لحظةٍ فقدت فيها الرحمة طريقها إلى القلوب، انطفأت روح بريئة كانت تحلم بحياة بسيطة، ربما بعملٍ صغير، أو بزفافٍ تملؤه الزغاريد، أو حتى بابتسامة أمٍ راضية.

لكن الحكاية لم تنتهِ عند تلك اللحظة. امتدت المأساة إلى ما هو أبشع؛ محاولة طمس الحقيقة، إخفاء الجريمة تحت طبقةٍ من الخرسانة، وكأن الأرض يمكن أن تبتلع الألم، أو أن الأسمنت قادر على كتم صرخةٍ لم يُسمع صداها. 

ظنوا أن الشارع قد يبتلع ما تبقى، وأن الليل سيحرس السر، غير أن للقدر كلمة أخرى، وللحق عيونًا لا تنام.

في صباحٍ حزين، انكشف المستور، لم تكن الجريمة مجرد خبرٍ عابر في صفحات الحوادث، بل كانت صدمةً اخترقت قلوب كل من سمع بها. كيف يمكن لبيتٍ أن يتحول إلى مسرحٍ لفاجعة كهذه؟ كيف يمكن للأم أن تفقد معنى الأمومة، وللأخ أن ينسى أنه كان يومًا سندًا لا سكينًا؟

لم تكن الفتاة رقمًا في سجلٍ رسمي، ولا عنوانًا في خبرٍ سريع. كانت روحًا تحمل أحلامًا مؤجلة، وضحكاتٍ لم تكتمل، وأحاديث لم تُقال. كانت تنتظر فرصةً لتعيش، لا لتُدفن تحت بلاطةٍ باردة. قصتها ليست فقط عن جريمة، بل عن هشاشة العلاقات حين يغيب الحوار، وعن خطورة الصمت حين يتراكم الغضب بلا علاج.

في السلام، عاد الشارع إلى هدوئه الظاهري، لكن شيئًا ما تغيّر إلى الأبد. صار المارة ينظرون إلى النوافذ المغلقة بحذر، وكأنهم يتساءلون عمّا تخفيه الجدران. أما الحقيقة، فقد خرجت إلى النور، لتُذكر الجميع بأن الظلم، مهما حاول أصحابه دفنه، سيطفو يومًا ما.

تحت تلك البلاطة الخرسانية، لم يُدفن جسد فقط، بل دُفنت ثقة، وانكسرت صورة، وسقطت معانٍ كثيرة. وبقي السؤال معلقًا في الهواء: كم من الألم يجب أن يتراكم حتى يتحول البيت من حضنٍ آمن إلى مقبرةٍ للأحلام؟

تم نسخ الرابط