انتحار أم جريمة متقنة؟.. حين يفضح الطب الشرعي القاتل الصامت
تمتلئ نشرات الأخبار يوميًا بحوادث يُعتقد في بدايتها أنها حالات انتحار، لكن بعض هذه الوقائع يتحول مسارها بالكامل بعد الفحص الدقيق، لتتكشف احتمالات جنائية لم تكن في الحسبان.
فكثيرًا ما يبدو المشهد الأولي بسيطًا: شخص متوفى بطلق ناري، وسلاح بجواره، ولا دلائل واضحة على وجود طرف آخر. غير أن التحقيقات العلمية قد تروي قصة مختلفة تمامًا.
الفصل بين الانتحار وجريمة القتل في مثل هذه الحالات لا يعتمد على المظهر العام فقط، بل على تفاصيل فنية دقيقة يحسمها الطب الشرعي. فعندما يستخدم شخص سلاحًا ناريًا لإنهاء حياته، غالبًا ما يوجه الطلقة إلى مواضع حيوية تؤدي إلى الوفاة السريعة، مثل الرأس أو الفم أو أسفل الذقن أو منطقة الصدر القريبة من القلب. اختيار هذه الأماكن يرتبط بسهولة الوصول إليها وتأثيرها القاتل المباشر.
إلا أن موضع الإصابة ليس الدليل الوحيد. هناك مؤشرات أخرى أكثر حساسية، أبرزها ما يُعرف ببقايا إطلاق النار. فعند الضغط على الزناد، لا تخرج الرصاصة وحدها، بل تنبعث أيضًا جزيئات دقيقة ناتجة عن احتراق البارود.
هذه الجزيئات قد تترسب على يد مطلق النار، خصوصًا في المنطقة بين الإبهام والسبابة، نظرًا لقربها من موضع الإمساك بالسلاح.
في حالات الانتحار، يُفترض أن تُرصد آثار لهذه الجزيئات على يد المتوفى.
أحيانًا يمكن ملاحظتها في صورة نقاط صغيرة داكنة، وأحيانًا لا تُكتشف إلا عبر تحاليل مخبرية متخصصة تكشف العناصر الكيميائية المرتبطة بمخلفات الطلق الناري.
لذلك تُؤخذ عينات من اليدين لفحصها بدقة، ويُقارن ذلك بظروف الحادث وزاوية الإصابة ومسافة الإطلاق.
غياب هذه الآثار قد يثير الشكوك، لكنه لا يُعد دليلًا قاطعًا بمفرده. فهناك عوامل قد تؤدي إلى اختفائها، مثل غسل اليدين أو مرور وقت طويل قبل اكتشاف الجثمان، أو تحلل الأنسجة. ولهذا يتعامل الخبراء مع كل حالة باعتبارها منظومة متكاملة من الأدلة، لا مجرد علامة واحدة.
كما يُنظر إلى اتجاه الطلقة ومسارها داخل الجسد، وهل يتوافق مع وضعية الإمساك الطبيعية بالسلاح أم لا. فزوايا الإطلاق غير المعتادة أو الإصابات في مواضع يصعب على الشخص الوصول إليها قد تشير إلى تدخل طرف آخر.
كذلك تُفحص الملابس بحثًا عن آثار احتراق أو تمزق يتناسب مع إطلاق النار من مسافة قريبة.
وجود السلاح قرب الجثمان لا يحسم المسألة أيضًا، إذ يمكن أن يُوضع في المكان عمدًا لتوجيه التحقيق نحو فرضية الانتحار.
وفي المقابل، قد لا يُعثر على السلاح في مسرح الحادث رغم كون الواقعة انتحارًا، إذا تدخل شخص آخر بعد الوفاة أو تم نقل الجثمان.
لهذا كله، تبقى تقارير الطب الشرعي عنصرًا حاسمًا في كشف الحقيقة. فبين انطباع أولي قد يُضلل، وتحليل علمي دقيق يستند إلى الأدلة، تتحدد طبيعة الوفاة. وفي النهاية، لا تُبنى النتائج على التخمين، بل على قراءة علمية لكل تفصيلة مهما بدت صغيرة، لأن الفارق بين انتحار وجريمة قتل قد يكمن في أثر لا يُرى بالعين المجردة.



