الذهب يعود إلى الواجهة.. لماذا تعيد البنوك المركزية رسم خريطة الاحتياطيات العالمية؟
عاد الذهب بقوة إلى قلب النظام النقدي العالمي، ليس فقط كملاذ تقليدي في أوقات الاضطراب، بل كأداة استراتيجية تعيد من خلالها البنوك المركزية صياغة سياساتها الاحتياطية.
فبعد سنوات من تراجع دوره أمام العملات الورقية، تشهد الأسواق العالمية حاليا موجة متسارعة من مشتريات الذهب، خاصة من قبل الاقتصادات الناشئة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع معدلات التضخم، وتزايد القلق من الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكي كعملة احتياطية مهيمنة.

البنوك المركزية تعزز احتياطياتها من الذهب
وتتجه البنوك المركزية إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب باعتباره أصلًا لا يرتبط بمخاطر جهة إصدار، على عكس السندات أو العملات الأجنبية، هذه الخاصية تمنح الذهب مكانة خاصة في أوقات الأزمات، حيث لا يتعرض لاحتمالات التعثر الائتماني أو التجميد السياسي، ما يجعله أداة تحوط فعالة لحماية الثروات السيادية في بيئة دولية متقلبة.
وخلال العقد الأخير، تصاعد الجدل حول مخاطر التمركز الشديد حول الدولار الأمريكي، خاصة مع استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة سياسية، هذا الواقع دفع عددًا من الدول إلى إعادة هيكلة احتياطياتها النقدية، عبر زيادة وزن الذهب كعنصر موازن يحد من الانكشاف على الدولار وسندات الخزانة الأمريكية، ويدعم قدرًا أكبر من الاستقلال المالي.
مخزن للقيمة
وفي ظل ارتفاع معدلات التضخم عالميًا وتذبذب السياسات النقدية، يستعيد الذهب دوره التاريخي كمخزن للقيمة، فعادة ما يتحرك المعدن الأصفر عكسيًا مع العملات الورقية، مما يساعد البنوك المركزية على الحفاظ على القوة الشرائية لاحتياطياتها، كما تعكس زيادة احتياطي الذهب رسالة ثقة للأسواق بشأن متانة المركز المالي للدولة وقدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية.

وبرز التحول الحقيقي في سلوك البنوك المركزية بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، التي كشفت هشاشة النظام المالي المعتمد على الأدوات المعقدة، ومنذ ذلك الحين انتقلت العديد من الدول من مرحلة البيع الصافي للذهب إلى الشراء المنتظم، مع تسارع واضح منذ جائحة كورونا، ثم قفزة أكبر بعد 2022 مع تصاعد التوترات الجيوسياسية.
الدول الأكثر امتلاكًا للذهب
تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الأكثر امتلاكًا للذهب، تليها ألمانيا، ثم إيطاليا وفرنسا، وفي المقابل عززت روسيا والصين احتياطياتهما خلال السنوات الأخيرة ضمن استراتيجيات تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار، كما تحتفظ دول مثل سويسرا والهند واليابان بكميات كبيرة من الذهب تعكس اعتبارات نقدية وتاريخية.
ويعزز الطلب المتزايد من البنوك المركزية الدعم الهيكلي لأسعار الذهب على المدى الطويل، ويشير في الوقت ذاته إلى تحول تدريجي نحو نظام نقدي عالمي أكثر تنوعًا، كما يمنح الاقتصادات الناشئة مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، ويعيد للذهب دورًا محوريًا في معادلة الاستقرار المالي الدولي.





