محامي الأمن القومي الأمريكي في حوار خاص لـ«تفصيلة»: ضربة ترامب القادمة ضد إيران قد تفتح أبواب الجحيم أمام المنطقة والخليج
مع استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران بشأن مضيق هرمز وشروط التهدئة، لم يعد احتمال استئناف العمليات العسكرية مستبعدًا، خاصة مع تمسك كل طرف بمطالبه واستمرار التهديدات المتبادلة، لكن تجدد الضربات الأمريكية لن يعني بالضرورة تكرار المواجهة السابقة، إذ قد تفتح طبيعة الرد الإيراني جبهات أخرى، وتضع القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية في الخليج والملاحة الدولية أمام الجحيم الذي قد يحرق المنطقة بأكملها.
المواجهة الأمريكية الإيرانية
وفي حوار خاص لموقع تفصيلة، تضع إرينا تسوكرمان، محامي الأمن القومي الأمريكي، رؤيتها لمستقبل المواجهة الأمريكية الإيرانية، وتكشف السيناريوهات المحتملة للتصعيد، وحدود قدرة واشنطن وطهران على التحكم في مسار الحرب، فضلًا عن التداعيات التي قد تمتد إلى السعودية والإمارات ومصر ولبنان، وتأثير حسابات روسيا والصين والانتخابات الأمريكية على مستقبل الأزمة.

هل تندلع حرب شاملة مجددًا بين الولايات المتحدة وإيران؟
أعتقد أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية كبرى أخرى بين الولايات المتحدة وإيران يتزايد، لا سيما في ظل فشل جولات القتال السابقة في تسوية الخلافات الأساسية بين البلدين، فما زالت إيران تهدد المنشآت العسكرية الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة، بينما يواصل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب التلويح بإمكانية شن ضربات جديدة.
وقد استثمرت الحكومتان قدرًا كبيرًا من رصيدهما السياسي في مواقفهما الحالية، الأمر الذي يجعل تقديم مزيد من التنازلات أمرًا يصعب تبريره أمام الجمهور الداخلي في كل منهما.
ومع ذلك، أرى ضرورة التمييز بين جولة جديدة من الضربات الجوية الأمريكية وبين حرب شاملة تتضمن عمليات عسكرية متواصلة في أنحاء المنطقة.
فقد يأمر ترامب بشن هجمات على منشآت الصواريخ الإيرانية أو مراكز القيادة العسكرية، مع توقع أن يظل الرد الإيراني ضمن حدود يمكن احتواؤها.

وفي المقابل، قد يرد القادة الإيرانيون باستهداف القواعد الأمريكية أو البنية التحتية في الخليج، ما يضع واشنطن أمام قرار بشأن توسيع نطاق العملية العسكرية.
وتكمن الخطورة في احتمال دخول الطرفين مواجهة جديدة، على أساس اعتقاد كل منهما بأنه قادر على التحكم في مدتها، قبل أن يكتشفا أن حسابات الطرف الآخر مختلفة تمامًا.
كيف يمكن أن تستخدم إيران مضيق هرمز للضغط على واشنطن؟
لقد أظهرت إيران بالفعل استعدادها لتهديد الملاحة التجارية والبنية التحتية للطاقة في المنطقة من خلال مضيق هرمز، ويدرك المخططون العسكريون الإيرانيون أن استهداف حركة التجارة الدولية يمكن أن يفرض تكاليف على واشنطن، حتى في ظل عدم امتلاك القوات الإيرانية قدرات عسكرية تقليدية تضاهي القدرات الأمريكية.
ويظل مضيق هرمز نقطة ضعف رئيسية، إذ إن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة فيه من شأنه التأثير في أسواق الطاقة على نطاق يتجاوز حدود الشرق الأوسط بكثير.
هل يدخل الحوثيون على خط المواجهة ويوسعون دائرة الحرب؟
يمكن أن يلعب الحوثيون دورًا مهمًا في أي مواجهة جديدة، فهجماتهم على البنية التحتية السعودية وتهديداتهم للملاحة بالقرب من مضيق باب المندب تتيح لإيران فرصًا لزيادة الضغوط على حلفاء الولايات المتحدة، وإجبار الحكومات الإقليمية على توزيع مواردها العسكرية على جبهات متعددة.
كما أن شن مزيد من الهجمات على المطارات السعودية أو منشآت الطاقة قد يدفع الرياض إلى رد عسكري أكثر قوة، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق القتال في اليمن.
ماذا تعني الضربات الأمريكية بالقرب من جزيرة قشم؟ وهل تقترب المواجهة من الانفجار؟
تظهر الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع إيرانية بالقرب من جزيرة قشم في الثاني من نوفمبر مدى سهولة تجدد المواجهة، حتى في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات.

فقد وصفت واشنطن العملية بأنها رد على هجمات إيرانية استهدفت القوات الأمريكية، بينما أكدت طهران استعدادها للرد.
وقد يؤدي وقوع حادث مماثل يسفر عن سقوط قتلى أو مصابين في صفوف القوات الأمريكية إلى رد أكبر بكثير، لا سيما إذا اعتقد ترامب أن إيران تتعمد تحدي مصداقيته.
لماذا تضغط إسرائيل لاستئناف الضربات الواسعة ضد إيران؟
هناك ضغوط متزايدة من إسرائيل لتنفيذ عملية عسكرية كبرى جديدة ضد إيران، فالقادة الإسرائيليون لديهم أسباب تدفعهم للقلق من أن تستغل طهران أي هدنة طويلة لإعادة بناء قدراتها الصاروخية وترميم المنشآت العسكرية التي تضررت خلال المواجهات السابقة.
وبحسب تقارير، يشجع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو واشنطن على استئناف الضربات المكثفة، لكن ترامب لديه حساباته الخاصة التي تدفعه إلى التردد، من بينها التكلفة المالية للحملة العسكرية السابقة، واحتمال أن تؤدي عملية جديدة إلى رد إيراني طويل الأمد.
ما شروط الاتفاق بين واشنطن وطهران؟ وهل تنجح الوساطة القطرية؟
تستحق المفاوضات الدبلوماسية التي تجري بوساطة قطرية اهتمامًا خاصًا، لأن الخلاف الأساسي بات يدور حول الشروط التي ستسمح لإيران بإعادة فتح الممرات البحرية أمام الملاحة، مقابل تخفيف واشنطن حصارها.
تريد طهران تخفيف الضغوط الاقتصادية والحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات جديدة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى انتزاع تنازلات تحد من قدرة إيران على تهديد الأمن الإقليمي.
ولا تملك القيادة الإيرانية حافزًا كبيرًا للتخلي عن أوراق الضغط المتبقية لديها، بعد تعرضها لأضرار عسكرية كبيرة، لا سيما أنها تعتقد أن قدرتها على تعطيل الملاحة تمنحها ورقة تفاوضية مهمة.
هل يستطيع ترامب شن حرب جديدة دون دفع ثمن سياسي واقتصادي؟
يواجه ترامب أيضًا مشكلة صنعها بنفسه، إذ دأب على وصف الحملة العسكرية الأمريكية بأنها ناجحة، رغم استمرار واشنطن في نشر مزيد من القوات العسكرية والتهديد بشن هجمات جديدة.
ومن شأن تنفيذ عملية عسكرية كبرى أخرى أن يثير تساؤلات بشأن النتائج التي حققتها المواجهات السابقة بالفعل.

ومع ذلك، قد يأمر ترامب بشنها إذا اعتقد أن جولة جديدة من الضربات ستؤدي إلى انتصار سريع، رغم أن الرد الإيراني قد يجعل هذه الحسابات أكثر تكلفة بكثير.
هل تصبح القواعد الأمريكية في الخليج أهدافًا للرد الإيراني؟
تشعر دول الخليج بقلق خاص، لأن القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها أصبحت أهدافًا محتملة للرد الإيراني، فالحكومات التي استثمرت كثيرًا في التعاون الأمني مع واشنطن تواجه الآن احتمال التعرض لهجمات نتيجة قرارات تتخذها الإدارة الأمريكية.
وتدرك إيران نقاط الضعف هذه، ويمكنها استغلالها من خلال التهديد باستهداف البنية التحتية التي تعتمد عليها اقتصادات المنطقة.
لماذا تواجه السعودية خطرًا مضاعفًا في حال اتساع الحرب؟
تواجه السعودية وضعًا بالغ الخطورة على وجه الخصوص، بعدما أثبت الحوثيون استعدادهم لاستهداف البنية التحتية المدنية، وقد يشجع أي تصعيد جديد على شن مزيد من الهجمات الحوثية، بالتزامن مع زيادة الضغوط على القوات السعودية للرد.
وقد تسعى طهران إلى استغلال التوترات السياسية داخل السعودية، لا سيما من خلال الشبكات المتعاطفة مع إيران أو المناهضة للقيادة السعودية.
كيف ستتأثر الإمارات ومصر إذا استمرت المواجهة؟
لدى الإمارات أسباب قوية تدفعها إلى رفض الدخول في مواجهة طويلة الأمد، فاقتصادها التجاري يعتمد بدرجة كبيرة على أمن طرق الملاحة وثقة المستثمرين.
ومن شأن وقوع مزيد من الهجمات الإيرانية على البنية التحتية الإقليمية أن يضر بالنشاط الاقتصادي، حتى إذا تجنبت الإمارات المشاركة المباشرة في العمليات العسكرية الأمريكية.
أما مصر، فستتضرر من استمرار اضطراب حركة الملاحة في قناة السويس، فكلما طالت فترة تجنب شركات الشحن المرور عبر البحر الأحمر، زادت خسائر مصر من العملة الأجنبية.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة سيضيف مزيدًا من الضغوط على الشركات المصرية، في حين أن عدم الاستقرار بالقرب من السعودية قد يفرض مطالب بمشاركة مصرية أكبر في الترتيبات الأمنية بالمنطقة.
هل تمتد الحرب إلى لبنان بسبب حزب الله؟
قد يؤدي الوضع في لبنان أيضًا إلى تعقيد الحسابات الأمريكية، فمن الممكن أن تسعى إيران إلى ربط أي اتفاق مع واشنطن بفرض قيود على العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله.

وفي المقابل، سترفض إسرائيل أي ترتيبات تسمح للحزب بإعادة بناء قدراته العسكرية، لا سيما إذا احتفظت طهران بنفوذها عليه.
وبالتالي، قد تؤدي أي مواجهة جديدة إلى زيادة احتمالات تجدد القتال على الحدود الشمالية للأراضي المحتلة.
ما دور روسيا والصين في دعم إيران أو احتواء التصعيد؟
أشعر بالقلق أيضًا إزاء تنامي دور روسيا والصين، فموسكو تستفيد من استمرار انشغال الموارد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، لا سيما في الوقت الذي تواصل فيه روسيا حربها ضد أوكرانيا.
وقد تساعد المعلومات الاستخباراتية الروسية إيران على تحسين فهمها للتحركات العسكرية الأمريكية، بينما تتيح العلاقات التجارية والتكنولوجية مع الصين لطهران فرصًا للحصول على مكونات يمكن الاستفادة منها في إعادة بناء قدراتها العسكرية.
أما الصين، فتواجه موقفًا أكثر تعقيدًا، لأن اضطراب شحنات الطاقة يهدد مصالحها الاقتصادية، ولذلك، قد تدعم بكين المفاوضات التي من شأنها استعادة حركة التجارة البحرية، مع استمرار علاقاتها الاقتصادية مع طهران.
كما أن انخراطها في هذه الأزمة يمنحها فرصة لتقديم نفسها باعتبارها بديلًا دبلوماسيًا لواشنطن أمام الحكومات الإقليمية التي تشعر بإحباط متزايد إزاء السياسة الأمريكية.
هل تؤثر انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في قرار ترامب بشأن الحرب؟
فيما يتعلق بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي التي بدأت في الثالث من نوفمبر، أرى ضرورة الحذر من اعتبارها العامل الحاسم في تحديد مسار الأزمة.

فترامب يمتلك بالفعل السلطة التنفيذية التي تتيح له إصدار أوامر بتنفيذ عمليات عسكرية، كما أن فوز الديمقراطيين بمجلس النواب لن يؤدي إلى تقييد هذه الصلاحيات بصورة كبيرة.
وقد تؤثر الانتخابات في توقيت اتخاذ قراره، لا سيما أن الإدارة الأمريكية تشعر بالقلق من التداعيات السياسية للحرب وارتفاع أسعار الوقود، لكن قرارات ترامب بعد التصويت ستعتمد بدرجة أكبر على مسار المفاوضات وتقييمه لمدى استعداد إيران لتقديم تنازلات.
ما السيناريو الأكثر ترجيحًا.. ضربات محدودة أم حرب شاملة؟
تظل العملية العسكرية الأمريكية المحدودة أكثر ترجيحًا في المستقبل القريب من شن حملة عسكرية طويلة تستهدف إسقاط الحكومة الإيرانية.
فقد يأمر ترامب باستهداف منشآت عسكرية مرتبطة بالهجمات على القوات الأمريكية أو التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية، وقد يؤدي الرد الإيراني باستهداف القواعد الأمريكية أو البنية التحتية للطاقة في المنطقة إلى دفع واشنطن لتنفيذ مزيد من العمليات العسكرية.
لكن احتمالات اندلاع حرب شاملة سترتفع بصورة كبيرة إذا تسببت إيران في سقوط عدد كبير من القتلى الأمريكيين، أو استهدفت منشآت حيوية يدفع تدميرها حلفاء واشنطن الإقليميين إلى المطالبة برد أكثر قوة.
وفي هذه الحالة، قد توسع الولايات المتحدة قائمة أهدافها لتشمل مزيدًا من المنشآت العسكرية الإيرانية والبنية التحتية الاستراتيجية، ومع مواجهة إيران احتمال التعرض لهجمات متواصلة، قد تلجأ إلى توسيع النطاق الجغرافي لعملياتها العسكرية.
هل يستطيع ترامب السيطرة على الحرب إذا بدأت من جديد؟
تكمن أكبر نقاط الغموض في مدى استعداد ترامب لمواصلة القتال بعد تنفيذ الضربات الأولى.
فإدارته أنفقت بالفعل موارد كبيرة على المواجهة، بينما أثبتت إيران قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية من خلال تعطيل الملاحة البحرية.
وإذا أمر ترامب بشن حملة عسكرية جديدة واسعة النطاق دون امتلاك خطة واقعية لإنهائها، فقد يتمكن القادة الإيرانيون من إطالة أمد القتال إلى أن تجبر التكاليف المالية والسياسية واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات.
هل تنهي الوساطة القطرية الأزمة أم تؤجل انفجارها؟
لا تزال الوساطة القطرية الجارية قادرة على التوصل إلى اتفاق يسمح للحكومتين بتقديم نتائج المفاوضات باعتبارها نجاحًا سياسيًا لكل منهما.
فقد يقدم ترامب استعادة حركة الملاحة البحرية باعتبارها إنجازًا دبلوماسيًا، بينما تستطيع طهران وصف تخفيف الحصار الأمريكي بأنه دليل على أن مقاومتها أجبرت واشنطن على التفاوض.
ومع ذلك، ستظل مسألة القدرات الصاروخية الإيرانية المتبقية وعلاقات طهران مع الجماعات المسلحة في المنطقة من أبرز العقبات أمام أي تسوية، لا سيما إذا ترك الاتفاق للحوثيين حرية مواصلة تهديد الملاحة أو استهداف البنية التحتية السعودية.





