1700 صاروخ ومنشآت تحت الأرض.. كيف استعادت إيران قوتها الصاروخية بعد الحرب؟
لم تنجح الضربات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية في إنهاء التهديد الصاروخي الإيراني، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بترسانة طهران ومنشآتها العسكرية خلال جولتين من المواجهة، فبينما كانت التقديرات تشير إلى تراجع مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية، تكشف معطيات أمنية إسرائيلية عن احتفاظ إيران بأكثر من 1700 صاروخ قادر على الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية.
ومع تصاعد التقارير بشأن احتمالات شن الولايات المتحدة هجومًا جديدًا على إيران عقب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، تجد إسرائيل نفسها أمام سيناريو عودة المواجهة الصاروخية مع طهران، وسط تساؤلات بشأن حجم القوة التي لا تزال إيران تحتفظ بها، ومدى استعدادها لجولة عسكرية جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا.

1700 صاروخ إيراني.. ترسانة تتحدى الضربات الإسرائيلية
بحسب تقديرات مسؤولين أمنيين إسرائيليين، تمتلك إيران حاليًا أكثر من 1700 صاروخ باليستي بمختلف المديات، يمكنها الوصول إلى الأراضي الإسرائيلية، فضلًا عن صواريخ أقصر مدى لا تستطيع بلوغ إسرائيل، لكنها تظل قادرة على استهداف مواقع أخرى، من بينها أهداف في دول الخليج.
ويمثل هذا المخزون تراجعًا بنحو 800 صاروخ مقارنة بالتقديرات التي سبقت الحرب، إلا أن الأرقام تكشف في الوقت نفسه عن احتفاظ طهران بقدرات صاروخية كبيرة، رغم الضربات العسكرية التي استهدفت ترسانتها خلال المواجهات السابقة.
ويرتبط هذا الانخفاض بعدة عوامل، أبرزها الإطلاق المكثف للصواريخ باتجاه إسرائيل ودول الخليج، إلى جانب استهداف مواقع في الأردن والعراق، فضلًا عن تدمير أعداد كبيرة من الصواريخ وهي لا تزال على الأرض، خلال الهجمات الجوية الإسرائيلية والأمريكية.

ومع ذلك، لا تعكس هذه الخسائر بالضرورة تراجعًا مماثلًا في قدرة إيران على إعادة بناء قوتها الصاروخية.
من تحت الأرض.. كيف تعيد طهران بناء ترسانتها الصاروخية؟
على الرغم من الأضرار الكبيرة التي لحقت بالصناعات العسكرية الإيرانية خلال عمليتي «الأسد الصاعد» و«الأسد الزائر»، تشير تقارير إعلامية أجنبية إلى أن طهران تمكنت من استعادة جزء من قدراتها على إنتاج وتجميع الصواريخ، بل وربما تعزيز بنيتها التصنيعية مقارنة بما كانت عليه قبل المواجهات.
ويطرح هذا التطور تساؤلات بشأن الكيفية التي استطاعت بها إيران إعادة تشغيل صناعتها الصاروخية بعد استهداف منشآتها، في وقت تشير فيه تقديرات إلى أنها لم تكتفِ بإصلاح الأضرار، وإنما اتجهت إلى تطوير وسائل أكثر قدرة على حماية خطوط الإنتاج من الهجمات المستقبلية.
ويرى خبراء أن طهران اعتمدت على مزيج من قطع الغيار التي جرى تخزينها مسبقًا، وإنشاء منشآت إنتاج جديدة داخل مواقع محصنة، وهو ما ساعدها على استئناف عمليات التصنيع والتجميع بوتيرة سريعة، مع التركيز على تصميمات صاروخية أبسط أثبتت فعاليتها خلال المواجهات العسكرية.
إيران تنقل مصانعها إلى باطن الأرض
وفي هذا السياق، قال فريدي خويري، محلل الأمن العالمي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى شركة «رين» للاستخبارات الأمنية، لمجلة «فوربس»، إن المواجهات العسكرية الأخيرة منحت إيران معلومات مهمة بشأن طبيعة الصواريخ الأكثر فاعلية في اختراق أنظمة الدفاع الجوي الغربية، وكذلك المواقع الأكثر قدرة على الصمود أمام الهجمات.
وأشار إلى أن صاروخ «خيبر شيكن»، الذي يُزعم أنه خضع لتحديثات، يمثل أحد النماذج التي تعكس استفادة طهران من الدروس العملياتية التي اكتسبتها خلال القتال.
وأضاف أن إيران بدأت بالفعل في إجراء تغييرات على بنيتها الصاروخية، من خلال نقل مزيد من عمليات الإنتاج والتجميع إلى منشآت تحت الأرض، إلى جانب توزيع أجزاء من بنيتها التحتية على مواقع متعددة، بما يقلل من تعرضها للتدمير في حال وقوع هجمات جديدة.
أسلحة إيرانية أكثر تطورًا في الطريق
ولا تقتصر جهود إيران على إعادة تشغيل مصانعها واستعادة قدراتها الإنتاجية، إذ يمكن للمساعدات الخارجية أن تسهم في تطوير جودة ترسانتها الصاروخية وتوسيع تنوعها.

وفي هذا الإطار، رجح خويري أن تساعد الخبرات الروسية في تكنولوجيا المحركات النفاثة طهران على تطوير صواريخ كروز أسرع من الصوت وأكثر تطورًا خلال السنوات المقبلة.
كما أشار إلى أن الخبرة الروسية في الاستخدام القتالي للطائرات المسيرة من طراز «جيران» قد توفر لإيران خبرات إضافية يمكن الاستفادة منها في تطوير طائراتها المسيرة، إلى جانب مواصلة تحسين قدراتها المضادة للسفن والصواريخ الباليستية الموجهة بدقة.
إيران تغير قواعد المواجهة
وبالتوازي مع إعادة بناء مخزونها الحالي، تعمل إيران على تطوير أجيال جديدة من الأسلحة، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها خلال المواجهات مع أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية.
ويبرز في هذا السياق صاروخا قاسم بصير ونصر الله، اللذان يُشار إليهما باعتبارهما نموذجين من أحدث أجيال الصواريخ الباليستية الإيرانية متوسطة المدى، مع تصميمات تستهدف العمل في بيئات تتسم بكثافة الحرب الإلكترونية وتطور شبكات الدفاع الجوي.
وتشمل الأنظمة التي يُفترض أن تراعي هذه الصواريخ طبيعة عملها كلًا من منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية «ثاد»، ومنظومة «آرو» الإسرائيلية.
ويعكس تطوير هذه النماذج تحولًا في التوجه الإيراني، من الاعتماد بصورة أساسية على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ غير الموجهة لإرباك دفاعات الخصم واستنزافها، إلى تطوير أسلحة أكثر دقة وقدرة على العمل بصورة مستقلة.
200 منصة إطلاق مدمرة
ولا تتوقف التحديات التي تواجه إعادة بناء القوة الصاروخية الإيرانية عند حجم المخزون أو القدرة على التصنيع، إذ تمثل منصات إطلاق الصواريخ أحد أبرز العوامل المؤثرة في قدرة طهران على تنفيذ هجمات واسعة النطاق.
وبحسب تقديرات جيش الاحتلال الإسرائيلي والاستخبارات الأمريكية، دُمرت أكثر من 200 منصة إطلاق صواريخ باليستية من أصل نحو 400 منصة كانت تمتلكها إيران خلال الحرب، وهو ما يمثل خسارة كبيرة لقدراتها العملياتية.
لكن هذه الخسائر لا تعني بالضرورة عجز طهران عن تنفيذ هجمات صاروخية مكثفة مستقبلًا، خاصة مع احتفاظها بعدد كبير من المنصات، وقدرتها على توزيعها وإخفائها في مواقع مختلفة داخل البلاد.

منصات إطلاق متنكرة ومخابئ سرية.. كيف أفلتت الصواريخ الإيرانية من التدمير؟
اعتمدت إيران، وفقًا للتقديرات الواردة في التقارير، على وسائل متعددة لحماية منصات إطلاق الصواريخ، من بينها إخفاؤها داخل مركبات تبدو مدنية، وتخزينها في منشآت وأنفاق تحت الأرض.
ورغم نجاح الغارات الإسرائيلية والأمريكية في استهداف مداخل الأنفاق وإغلاق بعضها، بما أدى إلى تعطيل استخدام منصات الإطلاق لفترات مؤقتة، فإن ذلك لم يكن يعني بالضرورة تدمير المعدات الموجودة بداخلها.
وبعد انتهاء الحرب، تمكنت إيران من إعادة فتح مداخل الأنفاق المتضررة، ما سمح بإعادة تشغيل منصات الإطلاق التي نجت من الضربات، واستعادة جزء من قدراتها العملياتية.
الضغوط الاقتصادية تهدد طموحات طهران العسكرية
ورغم المؤشرات على احتفاظ إيران بجزء كبير من قدراتها العسكرية، واستفادتها من المواجهات السابقة في تطوير أسلحتها وأساليب حمايتها، فإن إعادة بناء ترسانتها الصاروخية لا تزال تصطدم بتحديات اقتصادية كبيرة.
وتزداد صعوبة هذا التحدي مع ارتفاع تكلفة إعادة بناء المنشآت المتضررة، وتوفير مكونات التصنيع، والحفاظ على وتيرة إنتاج تسمح بتعويض الخسائر العسكرية السابقة.
ورغم أن تقديرات حجم الترسانة الإيرانية وقدراتها الإنتاجية تظل غير مؤكدة، ولا تمثل الأرقام المتداولة سوى تقديرات إعلامية واستخباراتية، فإن المؤشرات الواردة تطرح تساؤلًا أساسيًا وهو هل نجحت إيران في تحويل خسائر الحرب السابقة إلى فرصة لإعادة بناء قوة صاروخية أكثر تحصينًا أم أن المواجهة المقبلة قد تكشف حدود قدرتها على الصمود؟






