أمام أسوار المدارس.. حكايات أمهات ينتظرن أبناءهن كل يوم
في الوقت الذي تبدأ فيه الحياة داخل المدارس مع دخول الطلاب إلى فصولهم، تبدأ حياة أخرى خارج أسوارها، حيث تقف الأمهات أمام البوابات في انتظار أبنائهن، يتابعن حركة الدخول والخروج، ويراقبن عقارب الساعة، ويترقبن اللحظة التي يظهر فيها الأبناء من جديد.
مشهد يتكرر كل يوم دراسي، وقد يبدو للمارّين عاديًا، لكنه بالنسبة لكثير من الأمهات يحمل تفاصيل وحكايات لا يعرفها أحد؛ فهؤلاء الأمهات لا ينتظرن أبناءهن فقط، وإنما يحملن معهن مشاعر القلق والخوف والمسؤولية، ويقضين ساعات في الدعاء بأن يعود أطفالهن سالمين، وأن تمر ساعات اليوم الدراسي بهدوء.
داخل المدرسة يوجد الطالب، وخارجها توجد أم لا يتوقف عقلها عن التفكير.
هل تناول ابنها طعامه؟ هل يشعر بالتعب؟ هل حدث له شيء؟ هل استطاع أن يتعامل مع زملائه؟ وهل سيخرج من بوابة المدرسة كما دخلها، بابتسامته المعتادة؟
أسئلة كثيرة قد تدور في ذهن الأم خلال ساعات الانتظار، حتى وإن لم تتحدث عنها.
فالأم التي تقف أمام المدرسة كل يوم لا تؤدي مجرد مهمة انتظار، وإنما تحاول أن تكون حاضرة في تفاصيل حياة ابنها، تتابع خطواته وتطمئن عليه وتمنحه شعورًا بأنه ليس وحده في هذه الرحلة.
قد تمر الساعة على المارة دون أن يشعروا بها، لكنها بالنسبة للأم الواقفة أمام المدرسة تبدو أطول بكثير.
تجلس بعض الأمهات على الأرصفة أو في الأماكن القريبة من بوابة المدرسة، بينما تظل أخريات واقفات، يتبادلن الحديث، أو يتابعن هواتفهن، لكن عيونهن تظل معلقة بالبوابة في انتظار ظهور الأبناء.
ومع اقتراب موعد الانصراف، تتغير ملامح المشهد؛ فكل أم تبدأ في البحث عن وجه ابنها بين الخارجين، وما إن تراه حتى تشعر براحة لا تحتاج إلى كلمات.
«أنا بقيت أب وأم في نفس الوقت».. أم تحمل مسؤولية مضاعفة
من بين هذه الحكايات قصة «أم مريم»، التي أصبحت رحلة ابنتها في التعليم بالنسبة لها مسؤولية يومية تتجاوز حدود توصيلها إلى المدرسة والانتظار أمامها.
تقول الأم إن الطريق ليس سهلًا، وإن أصعب ما تواجهه ليس فقط متابعة الدراسة أو مساعدة ابنتها في المنزل، وإنما تحمل مسؤولية الأسرة بعد فقدان الأب.
وتوضح أنها أصبحت تحاول القيام بدور الأب والأم معًا، فتكون إلى جوار ابنتها في المنزل، وتتابعها في المدرسة، وتحاول في الوقت نفسه أن توفر لها حالة من الهدوء والاستقرار حتى تتمكن من مواصلة طريقها.
ورغم ألم فقدان والدها، لم تسمح مريم للحزن بأن يكون سببًا في التراجع عن حلمها، بل أصبح والدها حاضرًا في كل خطوة تخطوها.
وتقول والدتها إن ابنتها أصبحت أكثر إصرارًا بعد وفاة والدها، وكانت تردد لها: «يا ماما وأنا وهو في المدافن ههديله نجاحي بإذن الله».
كلمات تحمل حجمًا كبيرًا من المشاعر، وتكشف كيف يمكن للابن أو الابنة أن يحولوا ألم الفقد إلى دافع للاستمرار، وكيف يظل الأب حاضرًا في أحلام ابنته حتى بعد رحيله.
تحلم مريم بالالتحاق بكلية الصيدلة، وهو حلم تتمنى والدتها أن يتحقق، خاصة أن شقيقيها سبق لها أن سلكا طريق التعليم الجامعي.
لكن الأم تؤكد في الوقت نفسه أن الأهم بالنسبة لها هو أن ترى ابنتها بخير، وأن تشعر بأنها أدت ما عليها، قائلة: «إحنا راضيين بأي نتيجة».
فالأم لا تنظر إلى مستقبل ابنتها باعتباره مجرد درجات أو كلية ستلتحق بها، وإنما تراه رحلة طويلة من التعب والصبر والدعم، تتمنى في نهايتها أن ترى ابنتها تحقق ما تتمناه.
ولا تقتصر مشاهد الانتظار أمام المدارس على الأمهات فقط، فهناك جدات يصررن على الحضور يوميًا لمساندة أحفادهن.
ومن بين هؤلاء جدة تأتي برفقة ابنتها من أجل الوقوف إلى جانب حفيدتها، مؤكدة أن هذا الأمر أصبح عادة يومية بالنسبة للأسرة.
وتقول: «بنيجي كل يوم عشان نكون جنبها ونسندها.. وحتى مع أختها السنة اللي فاتت كنا بنيجي برضه».
وتضيف: «بنفضل قاعدين قدام المدرسة لحد ما تخرج.. أهم حاجة نحسسها إننا معاها وربنا يوفقها ويحقق لها كل اللي بتحلم بيه».
وراء كل أم تقف أمام بوابة مدرسة حكاية مختلفة.
هناك أم تركت أعمال المنزل، وأخرى أجلت بعض مسؤولياتها، وثالثة قطعت مسافة طويلة فقط لتطمئن على أبنائها، وأخرى تحاول أن تعوض أبناءها عن غياب الأب أو ظروف الأسرة.
ورغم اختلاف القصص، يجتمع الجميع على هدف واحد: أن يشعر الأبناء بأن هناك من ينتظرهم، ومن يهتم بهم، ومن يساندهم مهما كانت الظروف.
عندما يخرج الطلاب من المدرسة، يبدأ فصل آخر من يومهم، يبدأ معه دور الأم من جديد؛ الطعام، والراحة، والحديث عن تفاصيل اليوم الدراسي، ومتابعة الواجبات، والاستماع إلى المشكلات الصغيرة التي قد تبدو بسيطة لكنها بالنسبة للطفل مهمة للغاية.
وهكذا لا تتوقف رحلة الأم عند باب المدرسة، بل تمتد إلى المنزل وإلى كل تفاصيل حياة أبنائها.
قد تبدو الأرصفة أمام المدارس مكانًا عاديًا، لكن من يقترب من هذا المشهد يكتشف أنه يحمل قصصًا كثيرة عن التضحية والخوف والأمل.
اقرأ أيضاً.. من الشائعات إلى القتل باسم الشرف.. الشريعة تحذر: لا عقوبة خارج القانون