رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

«70 عامًا من الثقة».. مساعد وزير الخارجية الأسبق يكشف لـ«تفصيلة» مستقبل الشراكة المصرية الصينية

السفير محمد حجازي
السفير محمد حجازي

رسمت سبعة عقود من العلاقات المصرية الصينية مسارًا استثنائيًا بين القاهرة وبكين، واليوم تقف هذه الشراكة أمام اختبار جديد في عالم تتبدل موازين قوته وتتسارع أزماته، لتتحول العلاقة بين البلدين من مجرد تاريخ طويل من التعاون إلى رؤية مشتركة تبحث عن مستقبل أكثر توازنًا، بعيدًا عن الاستقطاب ومنطق الهيمنة.

الرئيس السيسي ونظيره الصيني 
الرئيس السيسي ونظيره الصيني 

زيارة الرئيس الصيني لمصر تأتي في مرحلة حرجة

أكد السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة تتجاوز كونها علاقات ثنائية، لافتًا خاصة أنها تأتي في مرحلة دولية دقيقة وحرجة تتزايد فيها الحاجة إلى شركاء يمتلكون رؤية مستقلة وإرادة سياسية وقدرة على بناء جسور التعاون.

70 عامًا لم تهزها التحولات الدولية

وأوضح حجازي في تصريح خاص لموقع تفصيلة أن مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد ذكرى زمنية، وإنما باعتباره دليلًا على قوة علاقة استطاعت أن تحافظ على استمراريتها وتتطور رغم التحولات الكبرى التي مر بها العالم.

السفير محمد حجازي 
السفير محمد حجازي 

وأشار إلى أن القاهرة وبكين اتفقتا منذ وقت مبكر على مجموعة من المبادئ، تأتي في مقدمتها الاستقلال الوطني، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلى جانب الإيمان بحق الشعوب في تحديد مساراتها التنموية والسياسية.

وأضاف مساعد وزير الخارجية الأسبق أن هذه العلاقة تدخل اليوم مرحلة أكثر نضجًا وعمقًا، بعدما باتت مصر والصين تنظران إلى التعاون بينهما باعتبارها شراكة تجمع حضارتين عريقتين، لكل منهما رؤيتها الخاصة تجاه المستقبل.

الصين تقدم درسًا مختلفًا في التنمية

وتطرق حجازي إلى التجربة الصينية، معتبرًا أنها قدمت خلال العقود الماضية واحدة من أبرز التجارب التنموية في التاريخ المعاصر.

وأوضح أن الصعود الصيني لم يكن مجرد توسع اقتصادي أو صناعي، وإنما جاء انعكاسًا لقدرة دولة وحضارة على إعادة اكتشاف ذاتها، والاستفادة من خصوصيتها الوطنية في صياغة نموذج تنموي حديث.

الرئيس السيسي ونظيره الصيني 
الرئيس السيسي ونظيره الصيني 

ويرى أن الدرس الأهم الذي يمكن أن تستفيده الدول النامية من التجربة الصينية يتمثل في أن التنمية لا يمكن أن تقوم على استنساخ نماذج جاهزة، وإنما ينبغي أن تنطلق من طبيعة كل مجتمع وثقافته وإمكاناته وأولوياته الوطنية.

واستطرد أن أهمية التجربة الصينية بالنسبة لمصر والدول العربية والإفريقية تنبع من أن بكين لم تطرح تجربتها باعتبارها نموذجًا يتعين على الآخرين تقليده، وإنما قدمت تجربة تؤكد حق كل دولة في البحث عن طريقها الخاص نحو التقدم، ومن هنا، أصبحت الشراكة بين القاهرة وبكين امتدادًا لهذا التصور القائم على احترام خصوصية الدول واختياراتها.

مصر.. نقطة التقاء بين دوائر العالم

وفي المقابل، تمتلك مصر، مقومات تجعلها شريكًا ذا أهمية خاصة، في ظل ما تتمتع به من عمق حضاري وجغرافي واستراتيجي.

وأوضح أن مصر لا تمثل فقط دولة تقع في قلب الشرق الأوسط والعالم العربي وإفريقيا، وإنما تشكل نقطة التقاء بين دوائر حضارية واقتصادية وسياسية متعددة، وبالتالي، فإن الشراكة المصرية الصينية لا تتوقف عند حدود البلدين، وإنما يمكن أن تتحول إلى جسر يربط الصين بالعالم العربي والقارة الإفريقية.

النظام الدولي أمام لحظة فارقة

وانتقل حجازي إلى المشهد الدولي، مؤكدًا أن العالم يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، فيما يواجه النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية اختبارات عميقة.

وأشار إلى أن هذه المرحلة تطرح تساؤلات واسعة حول مستقبل الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة والغذاء، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وقواعد الحوكمة الدولية.

وفي ظل هذه التحولات، يرى مساعد وزير الخارجية الأسبق أن إدارة العالم لم تعد قابلة للاستمرار وفق عقلية الهيمنة الأحادية أو سياسات فرض الإرادة، وهو ما يجعل الحوار بين القوى الصاعدة والدول صاحبة الحضارات العريقة أكثر أهمية.

القاهرة وبكين.. الحوار بدلًا من المواجهة

وأكد حجازي أن مصر والصين تلتقيان في رؤية تعتبر السلام شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية، كما ترى أن التنمية المستدامة تمثل أفضل ضمان للاستقرار.

وتابع أن احترام سيادة الدول لا يمثل مجرد مبدأ قانوني، وإنما ضرورة لحماية النظام الدولي من الانزلاق إلى الفوضى.

من إعادة ترتيب القوة إلى إعادة تعريفها

ويرى حجازي أن المبادرات الصينية الكبرى في مجالات التنمية والأمن والحوار الحضاري تكتسب أهمية خاصة في النقاش الدولي الراهن، موضحًا أن القضية لا تتعلق فقط بإعادة توزيع موازين القوة، وإنما بإعادة النظر في مفهوم القوة ذاته.

مستقبل مشترك للبشرية.. طريق آخر للعلاقات الدولية

وأشار إلى أن مفهوم بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية يمثل محاولة فكرية وسياسية للبحث عن أرضية جديدة للعلاقات الدولية، تقوم على حقيقة أن التحديات الكبرى تجاوزت حدود الدول.

وأوضح أن تغير المناخ والأوبئة وأمن الغذاء والمياه والطاقة والإرهاب والهجرة غير الشرعية والأزمات الاقتصادية، كلها ملفات لا تستطيع دولة واحدة، مهما بلغت قوتها، التعامل معها بمفردها.

العالم لا يحتاج إلى معسكرات جديدة

وشدد على أن مستقبل العالم لا يمكن أن يقوم على إقصاء طرف أو محاصرة دولة أو تقسيم العالم إلى معسكرات متصارعة، وإنما يحتاج إلى مساحات أوسع للتفاهم والعمل المشترك.

ويرى أن هذه الرسالة تمثل أحد أهم الأبعاد التي يمكن أن تحملها زيارة الرئيس شي جين بينج إلى القاهرة، باعتبار أن الشراكات الحقيقية لا تبنى على المصالح الآنية فقط، وإنما تستند إلى الثقة والرؤية المشتركة للمستقبل.

شراكة تمتد من الاقتصاد إلى التكنولوجيا والثقافة

وأكد حجازي أن العلاقات المصرية الصينية تمتلك مقومات الانتقال إلى آفاق أوسع، في ظل وجود فرص واسعة للتعاون الاقتصادي والاستثماري.

وتشمل هذه المجالات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والنقل والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والتعليم والثقافة والسياحة.

الرئيس السيسي ونظيره الصيني 
الرئيس السيسي ونظيره الصيني 

مسؤولية خاصة أمام القاهرة وبكين

ولفت إلى أن مصر والصين تتحملان مسؤولية خاصة، فالصين أصبحت قوة اقتصادية عالمية كبرى، بينما تمتلك مصر ثقلًا حضاريًا وسياسيًا وجغرافيًا يجعلها أحد مراكز التأثير في العالم العربي وإفريقيا والشرق الأوسط، ومن هنا، يمكن للحوار بين القاهرة وبكين أن يقدم نموذجًا لشراكات دول الجنوب، لا تتوقف عند التجارة والاستثمار، وإنما تمتد إلى صياغة رؤى مشتركة بشأن مستقبل النظام الدولي.

حضارتان لا تخشيان الانفتاح

وأكد حجازي أن اللحظة الراهنة تتطلب التفكير خارج الإطار التقليدي للعلاقات الدولية، في ظل عالم لم يعد يحتمل المزيد من الحروب والصراعات والاستقطاب.

وتابع أن البشرية تحتاج إلى عقلية جديدة تقوم على الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف والبحث عن نقاط الالتقاء.

وأشار إلى أن الحضارتين المصرية والصينية تقدمان في هذا السياق نموذجًا واضحًا، إذ إن الحضارات العظيمة لا تخشى التواصل، وإنما تزداد قوة بالانفتاح والتفاعل مع الآخرين.

واختتم السفير محمد حجازي رؤيته بالتأكيد على أن زيارة الرئيس شي جين بينج إلى مصر لا تمثل مجرد لقاء بين رئيسي دولتين صديقتين، وإنما لقاء بين حضارتين تمتدان لآلاف السنين، وبين رؤيتين تؤمنان بأن المستقبل لا ينبغي أن يكون حكرًا على قوة واحدة، وأن التنمية حق للجميع، وأن السلام مسؤولية مشتركة.

وبعد سبعين عامًا من العلاقات الدبلوماسية، أكد حجازي أن مصر والصين نجحتا في بناء علاقة تستند إلى الثقة والاحترام، وأن التحدي الآن يتمثل في تحويل هذا الرصيد التاريخي إلى قوة تدفع نحو المستقبل.

تم نسخ الرابط