خبير اقتصادي: الاستثمارات الصينية فرصة لمصر لبناء قاعدة صناعية تنافس عالميًا | خاص
قال الدكتور كريم عادل رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن الشراكة الاقتصادية بين مصر والصين لم تعد تدور فقط حول حركة الواردات والصادرات أو جذب رؤوس الأموال، وإنما أصبحت أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرة الاقتصاد المصري على تحويل هذا التعاون إلى إنتاج محلي وصناعات قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.
وأوضح عادل في تصريح خاص لـ"تفصيلة"، أن مصر تمتلك مجموعة من المزايا التي تمنحها فرصة للحصول على دور أكبر في سلاسل الإنتاج العالمية، وعلى رأسها الموقع الجغرافي، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب شبكة الاتفاقيات التجارية التي تفتح أمام المنتجات المصنعة محليًا أسواقًا واسعة في إفريقيا والمنطقة العربية وأوروبا.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ورقة مصر الأقوى
وأشار رئيس مركز العدل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أن وجود الشركات الصينية داخل مصر يمكن أن يتحول من مجرد استثمارات تستهدف السوق المحلية إلى نموذج للتصنيع من أجل التصدير، خاصة أن موقع مصر يسمح للشركات بالاقتراب من أسواق استهلاكية وإنتاجية رئيسية في المنطقة.
وأضاف أن نجاح هذا النموذج يتطلب جذب مراحل إنتاج أكثر تقدمًا إلى مصر، وعدم الاكتفاء بالعمليات البسيطة أو التجميع النهائي، حتى تتمكن البلاد من الحصول على نصيب أكبر من القيمة التي تنتجها سلاسل التوريد العالمية.
وأكد أن الموقع المصري يمثل عنصر قوة في التفاوض مع المستثمر الصيني، لكن الاستفادة منه يجب أن ترتبط بعائد صناعي واضح يتمثل في زيادة الإنتاج المحلي، ورفع نسبة المكون المصري، وتطوير قدرات الشركات والموردين المحليين.
شراكة مالية بعيدًا عن الدولار
ولفت عادل إلى أن تطوير العلاقات بين القاهرة وبكين لا يجب أن يقتصر على الجانب التجاري والصناعي، وإنما يمتد كذلك إلى آليات التمويل والتسويات المالية، موضحًا أن تنويع مصادر وأدوات التمويل يمكن أن يساعد في الحد من بعض المخاطر المرتبطة بالاعتماد الكبير على الدولار وتقلبات الأسواق العالمية.
وأوضح أن توسيع استخدام الجنيه واليوان في المعاملات التجارية، إلى جانب الاستفادة من أدوات مثل سندات «الباندا» وآليات بنك التنمية الجديد التابع لتجمع «بريكس»، يمكن أن يوفر مسارات تمويلية جديدة للمشروعات والاستثمارات.
وأضاف أن توفير تمويل مباشر لشراء المعدات والآلات والأصول الإنتاجية من شأنه دعم المشروعات الصناعية وتقليل الحاجة إلى استخدام الدولار كعملة وسيطة في بعض التعاملات بين البلدين.
تحذير من صناعة بلا قيمة مضافة
وحذر الخبير الاقتصادي من أن زيادة عدد المصانع والاستثمارات الصينية داخل مصر لا تعني تلقائيًا تحقيق استفادة اقتصادية كبيرة، إذا ظلت هذه المشروعات تعتمد على استيراد معظم مكوناتها وتكتفي بتجميع المنتجات قبل طرحها في الأسواق.
وأكد أن مصر مطالبة بتجنب نموذج «جزر الإنتاج المنعزلة»، بحيث تعمل الشركات الأجنبية بمعزل عن الصناعة المحلية، مشددًا على أهمية دمج الاستثمارات الصينية في منظومة الإنتاج المصرية وربطها بالموردين المحليين ومراكز البحث والتطوير والجامعات.
وأشار إلى أن تجارب دول مثل ماليزيا والهند وإندونيسيا توضح أن الاستثمار الأجنبي لا يؤدي بمفرده إلى نقل التكنولوجيا، وإنما يحتاج إلى سياسات تضمن تطوير المكون المحلي وتأهيل العمالة والموردين ونقل المعرفة الفنية.
التكنولوجيا والمعرفة العائد الأهم من الاستثمار
وشدد عادل على ضرورة أن تتضمن الاتفاقيات الاستثمارية مع الشركات الصينية أهدافًا واضحة فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا وتطوير الكوادر المصرية، إلى جانب وضع برامج زمنية للتدريب وإنشاء مراكز مشتركة للبحث والتطوير.
وأكد أن الهدف الحقيقي من جذب الاستثمارات الصينية يجب أن يتجاوز توفير التمويل وفرص العمل قصيرة الأجل، إلى بناء قدرات إنتاجية مصرية يمكنها الاستمرار والتوسع والمنافسة حتى على المدى البعيد.
السيارات والهيدروجين والتعدين تفتح أبوابًا جديدة
وأوضح أن هناك قطاعات يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لتعميق الشراكة بين البلدين، وفي مقدمتها السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والتعدين، نظرًا لارتباطها بسلاسل إنتاج عالمية تتجه نحو النمو خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن توجيه الاستثمارات الصينية إلى هذه المجالات يمنح مصر فرصة للانتقال إلى صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، بدلًا من الاكتفاء بدور المستورد أو نقطة التجميع.
وشدد على أن نجاح الشراكة المصرية الصينية سيعتمد في النهاية على قدرة مصر على تحقيق معادلة متوازنة، تحصل بموجبها على التكنولوجيا والخبرة والقدرات الإنتاجية مقابل ما تقدمه للمستثمرين من سوق وموقع جغرافي وحوافز وفرص نفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وأكد كريم عادل على أن المعيار الحقيقي لنجاح التعاون مع الصين لن يكون حجم الاستثمارات المعلنة فقط، وإنما مدى مساهمتها في تأسيس قاعدة صناعية مصرية قوية، ورفع نسبة المكون المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة القدرة على الإنتاج والتصدير، مؤكدًا أن الهدف الأهم هو تحويل الاستثمار الصيني من مجرد رأس مال يعمل داخل مصر إلى قوة دافعة لبناء صناعة مصرية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.



