بين العقيدة والطب.. نوع الجنين يشعل خلافا بين الكنائس
رفض أرثوذكسي وكاثوليكي لاختيار جنس المولود والإنجيلية تراه ثمرة للتقدم العلمي
كاهن كنيسة مارمرقس الرسول: تدخل في الإرادة الإلهية
رئيس مجلس الحوار بالكنيسة الإنجيلية: العلم لا يتعارض مع الإيمان
الأمين العام لسنودس النيل الإنجيلى: تجوز في حالات معينة
راعي كنيسة كاثوليكية شربل المعوشي: تفضيل جنس معين يسبب اختلال في المجتمعات
في الوقت الذي يشهد فيه الطب تطورًا متسارعًا في تقنيات الإخصاب المساعد، يظل تحديد «نوع الجنين» من أكثر القضايا إثارة للجدل بين المؤسسات الدينية، فلم تعد قضية تحديد نوع الجنين مجرد إجراء طبي بل تحولت إلى ملف يثير نقاشًا دينيًا وأخلاقيًا واسعًا.
ففي الوقت الذي تتمسك فيه الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية برفض اللجوء إلى هذه التقنيات لأسباب تتعلق بقدسية الحياة ورسالة الإنجاب، ترى أصوات داخل الكنيسة الإنجيلية أن الاستفادة من التقدم العلمي لا يتعارض مع الإيمان إذا تم إجراء العملية بضوابط أخلاقية وطبية.
وفي هذا التقرير نسلط الضوء على مواقف الكنائس الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية من تقنيات تحديد نوع الجنين، وأسباب اختلاف رؤيتها بين الرفض انطلاقًا من اعتبارات دينية وأخلاقية، والقبول المشروط باعتباره أحد تطبيقات التقدم العلمي.
الأرثوذكسية تعتبر اختيار الجنس تدخلًا في إرادة الله
أكد القمص بولس جورج كاهن كنيسة مارمرقس الرسول بمصر الجديدة، أن الكنيسة الأرثوذكسية ترفض إجراء عمليات اختيار نوع الجنين انطلاقًا من إيمانها بأن الأبناء عطية من الله وأن قبول الطفل كما يمنحه الله يمثل جزءًا من الإيمان المسيحي، معتبرًا أن التدخل لاختيار ذكر أو أنثى يعد تدخلًا في الإرادة الإلهية وليس مجرد استخدام لتقنية طبية.

أربعة عقود من الخدمة تدعم رؤية الكنيسة
وأضاف «جورج» في تصريحات له أنه خلال أكثر من أربعين عامًا من الخدمة الرعوية لما يقرب من ستة آلاف أسرة لاحظ أن نسب الذكور والإناث ظلت متقاربة بصورة طبيعية حيث ترتفع نسبة الذكور في عام ثم تتوازن في العام التالي وهو ما يعكس النظام الذي أوجده الله دون تدخل بشري.
مخاوف من اختلال التوازن بين الذكور والإناث
وحذر القمص من أن انتشار اختيار جنس الجنين قد يؤدي مع الوقت إلى خلل في التركيبة السكانية إذا اتجهت أعداد كبيرة من الأسر إلى تفضيل جنس معين، لافتًا إلي أن الرغبة في إنجاب ولد بعد عدة بنات لا تبرر اللجوء إلى هذه الوسائل.
العلم مرحب به لكن ليس بلا حدود
وشدد كاهن كنيسة مارمرقس أن الكنيسة لا تعارض التقدم العلمي لكنها ترفض أي تطبيق يتجاوز الحدود الأخلاقية أو يحول الإنسان إلى طرف يتحكم في ما يجب أن يظل عطية إلهية.

الإنجيلية ترى في التقنية ثمرة للتقدم العلمي
على الجانب الآخر قدم الأب رفعت فكري رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية بالكنيسة الإنجيلية، رؤية مختلفة فقال إن تحديد نوع الجنين يعد من ثمار التقدم العلمي الذي أسهم في علاج كثير من مشكلات الإنجاب وأن الاستفادة من هذه التقنيات لا تتعارض مع الإيمان بل تندرج ضمن الإمكانات التي منحها الله للإنسان لخدمة حياته.
رفض اعتبار التقنية مخالفة للإيمان
وأوضح «فكري» خلال حديثه لموقع «تفصيلة»، أن وصف تحديد نوع الجنين بأنه تدخل في إرادة الله لا يتفق مع رؤيته لأن التقدم العلمي نفسه جزء من مشيئة الله التي وهبت الإنسان العقل والقدرة على الاكتشاف والتطوير والاستفادة من العلوم الحديثة.
لا تهديد للتوازن السكاني
ورأى فكري أن المخاوف من اختلال نسب الذكور والإناث مبالغ فيها لأن رغبات الأسر تختلف فهناك من يفضل إنجاب الذكور وآخرون يتمنون الإناث وهو ما يحافظ على التوازن الطبيعي داخل المجتمع.
الاستفادة من العلم حق للإنسان
ولفت إلي أن الإنجازات الطبية مثل أطفال الأنابيب أثبتت قدرتها على حل مشكلات إنجابية معقدة، وأن تحديد نوع الجنين يأتي ضمن هذه المنظومة العلمية التي يمكن الاستفادة منها طالما تم ذلك في إطار طبي وأخلاقي.
الكنيسة الإنجيلية تميز بين الضرورة الطبية والرغبة الشخصية
ومن جانبه قال الأب رفعت فتحي الأمين العام لسنودس النيل الإنجيلى، أن الكنيسة الإنجيلية لا ترفض التقنيات الطبية الحديثة لكنها تؤكد أن قبول أي إجراء يجب أن يرتبط بهدفه الأخلاقي وليس بمجرد القدرة على تنفيذه.

استثناء للحالات الطبية فقط
وأوضح «فتحي» في تصريح خاص، أن اختيار نوع الجنين قد يكون مقبولًا في حالات محددة مثل الوقاية من الأمراض الوراثية المرتبطة بجنس معين لكني لا أيد استخدامه لمجرد تحقيق رغبة الأسرة في إنجاب ولد أو بنت، منوهًا بأن الكنيسة تشجع كل تقدم طبي يحمي الإنسان ويخفف معاناته لكنها ترفض استخدام التكنولوجيا لإشباع الرغبات الشخصية على حساب كرامة الإنسان.
الطفل ليس منتجًا يختار الإنسان مواصفاته
وأكد الأمين العام لسنودس النيل الإنجيلى، أن الطفل عطية من الله وليس سلعة يمكن اختيار مواصفاتها، محذرًا من أن الاستخدام غير الطبي لهذه التقنيات قد يعزز التمييز بين الجنسين ويؤثر في التوازن المجتمعي.
الكاثوليكية ترفض اختيار الجنس خارج الضرورات الطبية
في السياق نفسه أكد الخوري شربل المعوشي راعي كنيسة القديسة تريزا الطفل يسوع المارونية، أن الكنيسة الكاثوليكية تنظر إلى القضية من منظور كرامة الإنسان وقدسية الحياة ورسالة الإنجاب داخل الزواج المسيحي ولذلك ترفض استخدام تقنيات اختيار نوع الجنين عندما تعتمد على انتقاء الأجنة أو الإخصاب خارج الإطار الطبيعي.
التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا التحكم في الحياة
وأوضح المعوشي في تصريح خاص لموقع «تفصيلة»، أن الكنيسة الكاثوليكية ترحب بالتقدم الطبي عندما يكون في خدمة الإنسان، لكنها ترفض تحويل التكنولوجيا إلى وسيلة للتحكم في عملية الإنجاب أو اختيار صفات الأبناء.
التحذير من آثار اجتماعية وأخلاقية
وأضاف كنيسة القديسة تريزا الطفل يسوع المارونية أن تفضيل جنس معين أدى في بعض المجتمعات إلى اختلالات ديموغرافية وترسيخ ثقافة التمييز بين الذكور والإناث وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية.
دعوة إلى استقبال الطفل كعطية إلهية
واختتم راعي كنيسة القديسة تريزا، حديثه قائلًا «قيمة الطفل لا ترتبط بجنسه وإنما بكونه إنسانًا محبوبًا من الله، وعلى الأزواج استقبال الأبوة والأمومة باعتبارهما دعوة لقبول الحياة لا وسيلة للتحكم الكامل فيها».

