هل تصل للقطيعة؟.. محلل سياسي: 4 مؤشرات تؤكد أن أزمة ترامب ونتنياهو ليست تمثيلية|خاص
هل دخلت العلاقة التاريخية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، نفقًا مظلمًا من الخلافات الحقيقية بسبب الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير؟ أم أن المشهد بأكمله ليس سوى مسرحية سياسية محبوكة، وتكتيك أمني مشترك، يهدف إلى الخداع والمناورة، لتضليل القيادة الإيرانية وإدارتها خلال مرحلة التفاوض الحساسة؟
في هذا يقدم الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية، نجاح محمد علي، تفسير معمق، عن هذا المشهد المعقد، مستعرضًا المؤشرات والدوافع التي تقف وراء هذا التوتر، ومفككًا شفرات العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في ظل المتغيرات الراهنة.
التوتر حقيقي ويتجاوز الشو الإعلامي
يرى نجاح محمد علي، أن المعطيات المتوافرة، تشير بوضوح إلى أن هناك بالفعل توترًا حقيقيًا بين ترامب ونتنياهو، مؤكدًا، أن الأمر يتجاوز مجرد الخلافات الإعلامية العابرة أو المناورات التكتيكية المعتادة.

وقال الباحث في الشؤون الإيرانية في تصريح خاص لموقع تفصيلة:"إن التباين هذه المرة يتعلق بجوهر الرؤية الاستراتيجية لكيفية التعامل مع إيران وملفات المنطقة ككل، وليس بمجرد اختلافات تكتيكية مؤقتة".
صدمة يونيو.. كواليس الاتفاق الذي أشعل الغضب الصهيوني
وتابع، أنه في يونيو الجاري، تم التوصل إلى تفاهم أمريكي إيراني، لوقف التصعيد العسكري الذي أعقب المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، ما أثار استياءً علنيًا وواضحًا داخل حكومة الكيان الصهيوني، التي وجدت نفسها فجأة خارج دائرة التأثير المباشر في صياغة التفاهمات الجديدة، على الرغم من أنها كانت طرفًا أساسيًا في الحرب والتصعيد الذي سبقها.

الأدلة الأربعة.. مؤشرات تؤكد أن الأزمة ليست مسرحية
قدم نجاح محمد علي، أربعة مؤشرات حاسمة تدفع إلى الاعتقاد بأن الخلاف بين ترامب ونتنياهو حقيقي وليس مجرد عملية تضليل سينمائية والمتمثلة في:
أولًا: تسريبات الغرف المغلقة والتصريحات غير المألوفة الصادرة عن ترامب تجاه نتنياهو، سواء في الاجتماعات المغلقة أو عبر تسريبات متقاطعة من وسائل إعلام أمريكية وصهيونية، تضمنت إشارات إلى غضب أمريكي عارم من محاولات الكيان الصهيوني، تنفيذ عمليات عسكرية يمكن أن تؤدي إلى إفشال التفاهمات الناشئة مع إيران.
ثانيًا: لغم الجبهة اللبنانية، والذي يتمحور حول ملف استراتيجي حساس يتمثل في لبنان، فالولايات المتحدة تسعى بكل قوتها إلى تثبيت التهدئة، ومنع انفجار جبهة جديدة قد تؤدي إلى انهيار الاتفاق بأكمله، بينما يتمسك الكيان الصهيوني بحرية الحركة العسكرية، ويرفض أي قيود دائمة على عملياته الأمنية.
ثالثًا: تصدع جدار الثقة، إذ تحدثت تقارير سياسية وإعلامية عديدة عن تراجع مستوى الثقة بين الطرفين، وعن شعور متنامٍ داخل المؤسسة السياسية في الكيان الصهيوني بأن إدارة ترامب باتت أكثر استعدادًا لعقد تفاهمات مع إيران مما كانت عليه خلال مراحل سابقة.
رابعاً: تصادم المصالح والحسابات الداخلية، فالحسابات السياسية الداخلية تختلفعن عند الطرفين، حيث إن ترامب يستميت لتقديم نفسه باعتباره الرجل الذي أنهى الحرب ومنع انزلاق واشنطن إلى مواجهة إقليمية طويلة ومكلفة، في حين يواجه نتنياهو ضغوطًا خانقة من معسكر اليمين الذي يرى في أي تفاهم مع إيران تنازلًا استراتيجيًا خطيرًا.

فرضية الخداع الاستراتيجي.. هل تبتلع طهران الطُّعم؟
رغم قوة المؤشرات السابقة، شدد الباحث على أن عالم السياسة الدولية لا يخلو من عمليات الخداع الاستراتيجي وإدارة الانطباعات، فمن الناحية النظرية، يمكن استفادة واشنطن من إظهار وجود خلاف مع الكيان الصهيوني، لإقناع طهران، بأن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية هائلة، وبالتالي دفعها لتقديم تنازلات إضافية لإنجاح المفاوضات.
كما قد تستفيد الإدارة الأمريكية من إبقاء احتمال العمل العسكري الصهيوني قائمًا كفزاعة وورقة ضغط غير مباشرة خلال المفاوضات.
واشنطن تضبط الصراع وتل أبيب تريد التصعيد
في تحليله لجوهر الخلاف الحقيقي، يرى نجاح محمد علي، أن الأزمة تكمن في اختلاف الأولويات الاستراتيجية بين الطرفين، حيث إن الرؤية الأمريكية، تنظر واشنطن إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب الملفات الإقليمية، وتخفيف احتمالات الانزلاق إلى حرب واسعة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والعسكرية العالمية التي تواجهها، أما الرؤية الصهيونية، ترى أي تسوية مع إيران من زاوية مغايرة تمامًا، إذ يخشى أن تمنح طهران وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراتها العسكرية والاقتصادية والإقليمية، وأن الضغط العسكري المستمر هو الوسيلة الأكثر فاعلية لاحتواء النفوذ الإيراني.
كيف تخنق الانتخابات لغة التفاهم بين الحليفين؟
ربط الباحث طبيعة هذا التوتر بالحسابات الانتخابية المعقدة في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، حيث ينظر كل طرف إلى الملف الإيراني من زاوية ترتبط بمستقبله السياسي الداخلي على النحو التالي:
في أمريكا يدرك ترامب أن جزءًا مهمًا من الرأي العام الأمريكي، بات أقل حماسًا للتورط في حروب جديدة ومفتوحة في الشرق الأوسط، ولذلك، يسعى لتقديم نفسه كقائد قادر على فرض السلام بالقوة ثم الانتقال إلى التسويات السياسية، لا الرئيس الذي يزج ببلاده في نزاعات تستنزف المال والقدرات، وأي نجاح في تثبيت اتفاق مع إيران أو منع حرب إقليمية هو رصيد سياسي وانتخابي ثمين لترامب وحزبه.
أما في الكيان الصهيوني، يواجه نتنياهو وضعًا مختلفًا فقاعدته السياسية الأساسية، تتمركز في أوساط اليمين والقوميين والمتشددين الذين يرون في إيران التهديد الاستراتيجي الأول، وبالتالي، فإن أي اتفاق أمريكي إيراني يتضمن تنازلات متبادلة قد يقدم من قبل خصومه كفشل ذريع له.
وأضاف نجاح محمد علي، أن نتنياهو، الذي ارتبطت صورته تاريخيًا بمواجهة إيران، يرى في إظهار الاستقلالية عن واشنطن والتشدد تجاه طهران، ضرورة سياسية داخلية، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مباشر مع الإدارة الأمريكية، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تصبح واشنطن أكثر حساسية تجاه الأزمات المؤثرة على الاقتصاد وأسعار الطاقة، بينما تدفع الضغوط الانتخابية في تل أبيب نحو تبني مواقف أكثر تشددًا خشية اتهامها بالضعف.
هل نحن أمام قطيعة استراتيجية؟
أكد الباحث، أنه من المبكر الحديث عن قطيعة تامة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، موضحًا أن العلاقة أعمق بكثير من أن تهتز بسبب ملف واحد، نظرًا لشبكة المصالح والتنسيق الواسع بين المؤسسات الأمنية والعسكرية في الجانبين.



