رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

عمرو عامر يكتب: تجارة الديون.. كيف وضع منير نخلة الاقتصاد في مصيدة التقسيط؟

تفصيلة

الأثر الحسن هو من يبقي سيرة الكبار في حيز الضوء والاهتمام والإلهام أي كان مجاله ومهما طالت عليه السنون، فـ طلعت حرب مازال حيا في ذاكرة عظماء الاقتصاد، بينما طوى النسيان مغامري اقتصاد الانفتاح والاستهلاك وأشباه رجال الأعمال وأنصاف الرواد، وتكوين الثروات من الفرص وثغرات القانون وغفلة القوانين .. لا أحد يتذكرهم سوى بقصص الخراب التي دمرت الاقتصاد وخربت ثقافة الإنتاج وصناعة الفرص والتطور..

في السنوات الأخيرة، يُحتفى برجل الأعمال منير نخلة ومجموعته "MNT-Halan" كنموذج استثنائي للابتكار والشمول المالي في مصر والعالم العربي.

تُسرد قصة النجاح بعناوين براقة حول التكنولوجيا المالية والوصول إلى الفئات "غير المصرفية"، لكن خلف هذا الستار من المليارات والتطبيقات الذكية، يقبع تساؤل اقتصادي جاد: هل نحن أمام تمكين حقيقي للمواطن والاقتصاد، أم أمام عملية تكريس ممنهجة لاقتصاد استهلاكي غير إنتاجي، يُثقل كاهل الأسر ويستنزف القدرات الإنتاجية للدولة؟

​لا يمكن إنكار الشغف التكنولوجي والتنظيمي وراء نموذج التمويل الاستهلاكي وخدمات "اشتري الآن وادفع لاحقاً"، غير أن المشكلة تكمن في طبيعة التوجه الاقتصادي الذي يخلقه هذا النموذج حيث فخ "الاستهلاك بالأجل" بدلاً من التنمية الإنتاجية

بدون شك النمو الاقتصادي المستدام يُبنى على الادخار، والاستثمار الإنتاجي، وزيادة التصدير وإن ما تفعله منصات التمويل الاستهلاكي المتوسعة هو إعادة توجيه القوة الشرائية المحدودة نحو استهلاك سلع أغلبها مستوردة أو غير أساسية، عبر تحفيز السلوك الشرائي اللحظي، بدلاً من ضخ هذه  الأموال كرؤوس أموال في مشروعات صغيرة تولد قيمة مضافة وتخلق فرص عمل إنتاجية، يتم تشجيع الأفراد على اقتراض المستقبل لإنفاقه في الحاضر على أجهزة إلكترونية، وكماليات، وحتى مصاريف استهلاكية يومية.  

​ساعد نموذج رجل الأعمال منير نخلة في استنزاف القوة الشرائية ورهن المستقبل في ظل الفوائد المركبة والتكاليف المصاحبة للقروض الاستهلاكية والتقسيط، حيث يجد أبناء الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل أنفسهم في الدائرة الخبيثة للدين الدائم، هذا الاقتطاع المستمر من الدخول المستقبلية يقلل القدرة الادخارية للحسابات العائلية، ويجعل الأسر أكثر عرضة للهزات الاقتصادية عند أي صدمة تضخمية، يتحول المواطن من منتج أو مدخر إلى مجرد مستهلك مديون يحاول سداد أقساط الشهر الماضي.  

​كما تسبب نموذج نخلة الاقتصادي القائم على الاستنزاف المستمر في الضغط على العملة الوطنية والميزان التجاري، لأن تنشيط الطلب الاستهلاكي المحتدم بدون زيادة مقابلة في الإنتاج المحلي يولد ضغطاً مستمراً على الميزان التجاري، حيث أن أجزاء واسعة من السلع المتاحة عبر تطبيقات التمويل الاستهلاكي هي منتجات مستوردة تستهلك النقد الأجنبي، مما يعمق أزمة سعر الصرف ويعزز التضخم الذي يُطلب التمويل أساساً للهرب منه.  

​هل المشكلة في الأشخاص أم في المنظومة؟

ليس الهدف نقد شخص بعينه؛ فمنير نخلة استغل فرصة استثمارية وتشرذماً في السوق المالي التقليدي بريادية محسوبة، لكن الإشكالية تكمن في غياب التوازن التنموي، عندما يصبح القطاع الأكثر نمواً وجذباً للاستثمارات الأجنبية هو قطاع "إقراض المستهلكين"، فإن هذا مؤشر خطر على تشوه الأولويات الاقتصادية.

ياسيد منير نخلة إن بناء اقتصاد قوي لا يتم بتمكين الناس من شراء ما لا يملكون ثمنه، بل بتمكينهم من إنتاج ما يدفع أجورهم، التوسع المفرط في أدوات التقسيط دون وجود بيئة إنتاجية موازية لا يصنع رفاهية، بل يؤجل الأزمات ويكرس نموذجاً اقتصادياً هشاً يعتمد على استهلاك اليوم على حساب غد... هل حان الوقت لمحاسبة أصحاب الرؤي المدمرة الاقتصاد باعتبارها جريمة في حق شباب مصر وكابوس اقتصادي مزمن يجب التخلص منه وفورا؟.

تم نسخ الرابط