قرارات مرتقبة تهز ملف التصالح.. وخصومات تصل إلى نصف القيمة لبعض الفئات
يشهد ملف التصالح في مخالفات البناء مرحلة جديدة من التطورات المتسارعة، في ظل تحركات مكثفة من الحكومة والبرلمان لإجراء تعديلات مرتقبة على قانون التصالح، بهدف إزالة العقبات التي واجهت المواطنين خلال السنوات الماضية، وتسهيل إجراءات تقنين الأوضاع للمباني المخالفة، بما يحقق التوازن بين متطلبات التخطيط العمراني وحقوق المواطنين.
وتأتي هذه الخطوات ضمن رؤية الدولة الشاملة لاستكمال معالجة ملف البناء المخالف الذي ظل لسنوات طويلة أحد أبرز التحديات العمرانية والتنموية، حيث تسعى الجهات المعنية إلى تقديم مزيد من التيسيرات وتوسيع نطاق المستفيدين من التصالح، بما يضمن إنهاء هذا الملف بصورة نهائية وتحقيق الاستقرار العمراني في مختلف المحافظات.
تشير التقديرات إلى أن التعديلات المقترحة على قانون التصالح قد تفتح الباب أمام أكثر من خمسة ملايين مواطن للاستفادة من الإجراءات الجديدة، في خطوة تستهدف توسيع قاعدة المستفيدين وتخفيف الأعباء المرتبطة بإنهاء طلبات التصالح.
وتسعى التعديلات المرتقبة إلى معالجة العديد من المشكلات العملية التي ظهرت خلال تطبيق القانون، خاصة فيما يتعلق بطول الإجراءات وتعدد الخطوات المطلوبة لإنهاء الطلبات، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى دراسة حلول أكثر مرونة وسرعة تضمن تحقيق الهدف من القانون دون تعقيدات إدارية.
ويرى مراقبون أن هذه التعديلات تمثل فرصة جديدة أمام المواطنين الذين لم يتمكنوا من استكمال إجراءات التصالح خلال الفترات السابقة، سواء بسبب الظروف الاقتصادية أو نتيجة تعقيدات إجرائية حالت دون إنهاء ملفاتهم.
دراسة مد العمل بالقانون عامًا إضافيًا
ومن بين أبرز المقترحات المطروحة حاليًا مد فترة تطبيق قانون التصالح لمدة عام إضافي، بما يمنح المواطنين فرصة أكبر لاستكمال المستندات المطلوبة والتقدم بطلبات التصالح أو إنهاء الإجراءات المتعلقة بالطلبات التي سبق تقديمها.
ويهدف هذا المقترح إلى استيعاب أكبر عدد ممكن من الحالات التي لا تزال قيد الفحص أو التي لم تتمكن من استكمال إجراءاتها في المواعيد المحددة سابقًا، خاصة في المناطق التي شهدت كثافة كبيرة في أعداد الطلبات.
ويؤكد المتابعون أن منح مهلة إضافية قد يسهم في تقليل الضغط على المواطنين والإدارات المحلية في الوقت نفسه، كما يتيح فرصة أفضل لتنظيم عملية فحص الملفات وإنجازها بصورة أكثر كفاءة.
تبسيط الإجراءات وتقليل المعاينات الميدانية
ضمن التعديلات المقترحة أيضًا، تتجه الدولة نحو تبسيط إجراءات التصالح وتقليل المراحل الروتينية التي تستغرق وقتًا طويلًا، حيث يجري بحث إمكانية الاكتفاء في بعض الحالات بتقديم تقرير هندسي معتمد بدلاً من إجراء معاينات ميدانية متكررة.
ويُتوقع أن يسهم هذا التوجه في تسريع وتيرة البت في الطلبات وتقليل الأعباء الواقعة على لجان الفحص والإدارات المحلية، فضلاً عن توفير الوقت والجهد للمواطنين.
كما أن الاعتماد على التقارير الفنية المعتمدة قد يساعد في رفع معدلات الإنجاز وتقليل فترات الانتظار التي اشتكى منها العديد من أصحاب الطلبات خلال السنوات الماضية.
ومن أبرز البنود التي لاقت اهتمامًا واسعًا، المقترح الخاص بمنح تخفيضات تصل إلى 50% لبعض الفئات الأكثر احتياجًا، في إطار تعزيز البعد الاجتماعي للقانون وتخفيف الأعباء المالية عن المواطنين.
وتشمل الفئات المستهدفة بهذه التيسيرات المستفيدين من برنامج "تكافل وكرامة" والعمالة غير المنتظمة وغيرهم من الفئات الأولى بالرعاية، بما يساعدهم على استكمال إجراءات التصالح وتقنين أوضاعهم القانونية دون تحمل أعباء مالية كبيرة.
ويرى مختصون أن هذه الخطوة تمثل بعدًا اجتماعيًا مهمًا في فلسفة القانون، حيث تراعي الظروف الاقتصادية لشريحة واسعة من المواطنين، وتشجعهم على الانضمام إلى المنظومة القانونية الرسمية.
تعكس التعديلات المرتقبة رغبة واضحة لدى الدولة في الوصول إلى حل نهائي وشامل لملف مخالفات البناء، الذي يعد من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا على مدار العقود الماضية.
ويستهدف هذا التوجه تحقيق عدة أهداف في آن واحد، من بينها الحفاظ على حقوق الدولة، وتنظيم العمران، وضمان سلامة المباني، وفي الوقت ذاته مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
كما تسعى الحكومة إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة للمباني المقننة قانونيًا، بما يسهم في دعم جهود التخطيط العمراني وتحسين مستوى الخدمات والمرافق المقدمة للمواطنين.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور الحسين حساني، خبير التنمية المحلية والمستدامة، أن ملف التصالح في مخالفات البناء لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد ملف إداري أو قانوني، بل يمثل قضية تنموية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بمستقبل العمران والتنمية في الدولة.
وأوضح أن الدولة بذلت جهودًا كبيرة خلال السنوات الأخيرة لمعالجة تراكمات عمرانية امتدت لعقود طويلة، مشيرًا إلى أن قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023 جاء لمعالجة هذه التحديات ووضع إطار قانوني يضمن تنظيم أوضاع المباني المخالفة.
وأضاف أن الدولة حققت نجاحًا ملحوظًا في الحد من ظهور مخالفات جديدة، من خلال منظومة المتغيرات المكانية التي تعتمد على أحدث التقنيات الرقمية والأقمار الصناعية لرصد أي مخالفات بشكل فوري واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاهها.
ورغم التقدم الذي تحقق في ملف التصالح، يرى خبراء التنمية المحلية أن التحديات الحالية لا ترتبط بنصوص القانون بقدر ارتباطها بآليات التنفيذ على أرض الواقع.
وأشار حساني إلى أن بعض المحافظات تعاني من نقص واضح في أعداد المهندسين والفنيين القائمين على فحص الطلبات، وهو ما ينعكس على سرعة الإنجاز ويؤدي إلى تراكم بعض الملفات داخل الإدارات المحلية.
وأوضح أن هناك تفاوتًا ملحوظًا بين المحافظات في معدلات الإنجاز، حيث تمكنت بعض المحافظات من إنهاء أعداد كبيرة من الطلبات، بينما لا تزال محافظات أخرى تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة كثافة الملفات ونقص الموارد البشرية المتخصصة.
ولمواجهة هذه التحديات، طرح خبير التنمية المحلية عددًا من المقترحات التي من شأنها تسريع وتيرة العمل داخل منظومة التصالح.
ومن أبرز هذه المقترحات الاستعانة بكليات الهندسة والتخطيط العمراني في الجامعات المصرية لدعم لجان الفحص وتوفير كوادر فنية إضافية قادرة على التعامل مع الأعداد الكبيرة من الطلبات.
كما دعا إلى إطلاق وحدات متنقلة مجهزة للوصول إلى القرى والمناطق النائية، بما يضمن تقديم الخدمات للمواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية دون الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة.
اقرأ أيضاً.. فضيحة داخل عيادات خاصة.. إغلاق منشآت غير مرخصة وضبط منتحلات صفة طبيب


