علاء خليفة يكتب: لله درك يا طيب
في كل عام يحرص فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف على مشاركة أوائل الثانوية الأزهرية فرحة تفوقهم بإجراء اتصالات هاتفية يهنئهم خلالها بالنجاح، وفي كل عام أيضًا تتجاوز تلك المكالمات حدود التهنئة لتقدم نموذجًا حيًا في التواضع، والأبوة، والإنسانية، وتؤكد أن الأزهر لا يعلِّم أبناءه العلم فحسب، بل يغرس فيهم القيم والأخلاق قبل كل شيء.
ولم تعد فرحة إعلان أوائل الثانوية الأزهرية تكتمل لدى الكثيرين إلا بمتابعة مكالمات فضيلة الإمام الأكبر مع الأوائل وأسرهم؛ فكل عام تحمل هذه الاتصالات مواقف صادقة، وكلمات بسيطة، ولمسات أبوية، تعكس تواضع شيخ الأزهر وقربه من أبنائه، فتترك أثرًا عظيمًا في القلوب.
لم تكن الكلمات منمقة، ولم يكن الحديث رسميًا، بل كان أقرب إلى حديث أب مع أبنائه؛ ففي إحدى المكالمات، وبعد أن علم أن والد أحد الأوائل خارج المنزل، قال بمنتهى البساطة "لما يجي قوليله فلان بيسلم عليك"، لم يقل "شيخ الأزهر يرسل تحياته"، ولم يبحث عن الألقاب التي تسبق اسمه، بل اختار أن يكون إنسانًا قبل أن يكون صاحب أكبر منصب ديني في العالم الإسلامي.
وفي مكالمة أخرى، سألت إحدى الأمهات بعفويتها المصرية "حضرتك مين؟"، فجاء الرد الذي سيظل عالقًا في الأذهان طويلًا "أنا اسمي أحمد الطيب، ولو سألتيني عن شغلانتي فأنا شيخ الأزهر".
أي تواضع هذا؟ وأي مدرسة تلك التي تجعل صاحب المقام الكبير يُعرف نفسه باسمه قبل منصبه؟ إنها ليست كلمات عابرة، بل انعكاس لتربية أصيلة، ونموذج حقيقي لما يكون عليه العالم الرباني، الذي لا تزيده المناصب إلا تواضعًا، ولا تضيف إليه المكانة إلا قربًا من الناس.
ثم جاءت الجملة التي ربما كانت الأبلغ والأعمق، حين قال لإحدى أمهات طالبة من الأوائل "لو محتاجين حاجة إحنا أولى بيها من أي حد".
هذه ليست عبارة للمجاملة، ولا كلمات تُقال أمام الكاميرات، وإنما رسالة تحمل كل معاني المسؤولية؛ فالأب الحقيقي هو من يشعر أن أبناءه أمانة في عنقه، وشيخ الأزهر بدا في هذه المكالمات أبًا قبل أن يكون مسؤولًا، يحمل همَّ أبنائه، ويفتح لهم قلبه قبل مكتبه، ويؤكد لهم أن الأزهر لا تنتهي رسالته عند الامتحانات أو إعلان النتائج، بل تمتد إلى رعاية أبنائه والوقوف إلى جوارهم.
لقد أظهرت هذه الاتصالات أن الأزهر لا يحتفي فقط بالدرجات، وإنما يحتفي بالإنسان، يفرح بتفوق أبنائه، ويشاركهم لحظة النجاح، ويمنحهم شعورًا بأنهم ليسوا مجرد أسماء في كشوف الأوائل، بل أبناء لبيت كبير اسمه الأزهر الشريف.
ولعل أجمل ما في هذه المشاهد أنها كشفت أيضًا عن معدن أسر طلاب الأزهر، فقد بدا التواضع والاحترام في حديث الآباء والأمهات، كما ظهر الأدب الجم في كلمات الطلاب والطالبات، وهو أمر لم يكن مفاجئًا لمن يعرف طبيعة التعليم الأزهري، فالبيت الذي يختار لأبنائه الأزهر طريقًا، غالبًا ما يختار معه منظومة كاملة من القيم والأخلاق والالتزام.
فالثانوية الأزهرية ليست طريقًا سهلًا، بل تُعد من أصعب المراحل الدراسية في مصر، يدرس الطالب العلوم الشرعية إلى جانب العلوم الحديثة، ويتعامل مع عدد كبير من المواد الدراسية، ويخوض امتحانات تمتد لأسابيع طويلة، تحتاج إلى صبر وانضباط ومثابرة، ومع ذلك تجد في كلماتهم الرضا، وفي وجوههم الطمأنينة، وفي أحاديثهم الدعاء والشكر لله، وكأنهم تعلموا قبل المناهج أن التوفيق من الله، وأن الاجتهاد عبادة.
طالب الأزهر لا يحمل حقيبة كتب فقط، بل يحمل رسالة؛ يتعلم منذ نعومة أظفاره أن العلم عبادة، وأن احترام المعلم واجب، وأن توقير الكبير خلق، وأن الأخلاق ليست مادة تُحفظ من أجل الامتحان، وإنما أسلوب حياة يرافقه في كل مكان.
ولهذا لا يبدو غريبًا أن ترى الوقار في ملامح طلاب الأزهر، وأن تجد الاحترام حاضرًا في كلماتهم، وأن تسمع منهم عبارات التقدير لآبائهم وأمهاتهم ومعلميهم، لأنهم نشأوا في بيئة تربوية تجعل الأخلاق شريكًا دائمًا للعلم، فلا قيمة لعلم بلا أدب، ولا مكانة لشهادة بلا خلق.
أما طالبات الأزهر الشريف، فهن صفحة مضيئة في سجل التعليم المصري، يجمعن بين الاجتهاد العلمي والالتزام الخلقي، ويقدمن نموذجًا للفتاة التي تجعل الأدب والاحترام عنوانًا لها، دون أن ينتقص ذلك من طموحها أو نجاحها، وكم من طالبة أزهرية أثبتت أن الحياء لا يقف أبدًا في وجه التفوق، وأن الأخلاق تصنع شخصية أكثر قوة وثباتًا.
وخلف كل طالب متفوق، هناك أسرة آمنت بأن التربية تسبق التعليم، وأن الأخلاق هي الاستثمار الحقيقي. آباء وأمهات بذلوا سنوات من الصبر والدعم، وربوا أبناءهم على احترام الكبير، وحب العلم، والتواضع، وحسن الخلق، فكان الحصاد نجاحًا يليق بهم جميعًا.
ويبقى الأزهر الشريف، الذي تجاوز عمره ألف عام، شاهدًا على أن بناء الإنسان هو أعظم مؤسسة، فمن بين أروقته تخرج العلماء والقضاة والمفكرون والدعاة، وحمل أبناؤه رسالة الوسطية والاعتدال إلى أنحاء العالم، وظلت مكانته محفوظة لأنه لم يكتفِ بتخريج المتعلمين، بل خرّج أصحاب المبادئ والقيم، فكان منارة للعلم، وحصنًا للفكر الوسطي، ومدرسةً تصنع الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة.
إن مشهد شيخ الأزهر وهو يتحدث بعفوية مع الأوائل، ويطمئن على أسرهم، ويقدم نفسه باسم "أحمد الطيب" قبل أي لقب، سيظل واحدًا من أجمل المشاهد التي صاحبت إعلان نتيجة الثانوية الأزهرية هذا العام، فقد أثبت أن المناصب لا تصنع الهيبة، وإنما الأخلاق هي التي تصنعها، وأن القلوب لا تُفتح بالسلطة، وإنما تُفتح بالتواضع والصدق، وأن الكبار حقًا هم الذين كلما علت مكانتهم، ازدادوا تواضعًا.
ولعل هذه الرسائل الإنسانية أعظم هدية يتلقاها أوائل الثانوية الأزهرية؛ لأنها لم تأتِ من مسؤول يؤدي واجبًا، بل من أب يحتضن أبناءه، ومن عالمٍ يدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يحمله من لقب، وإنما بما يتركه من أثر في قلوب الناس.
تحية من القلب لكل طالب وطالبة في الأزهر الشريف، ولكل أسرة غرست في أبنائها حب العلم، وحسن الخلق، واحترام الكبير، ولكل معلم أدى رسالته بإخلاص، فكان شريكًا في صناعة هذا النجاح، ولأزهرنا الشريف الذي سيظل بإذن الله منارة للعلم، وحصنًا للاعتدال، ومدرسةً تُخرج أجيالًا تحمل العلم بيد، والأخلاق باليد الأخرى.
ولعل هذا المشهد كله تلخصه مقولة "ما تواضعَ إلا عالمٌ، وما تكبر إلا جاهلٌ"، فالتواضع ليس صفة عابرة، بل هو ثمرة العلم الصحيح، وعنوان النفوس الكبيرة، وهو ما جسّده الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب في مواقفه وكلماته، حتى استحق أن ينطبق عليه معنى البيت الخالد: إن العظيم إذا تواضع رفعة .. ساد القلوب وسخر الأجيالا.