رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

إرينا تسوكرمان لـ"تفصيلة": المنطقة تعيش استراحة محارب.. والتحركات الحالية لن تحل الأزمة|حوار

إرينا تسوكرمان
إرينا تسوكرمان

في الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأمريكية عن الدبلوماسية، وخفض التصعيد، وتؤكد إسرائيل تمسكها بمعادلة الردع، وتواصل إيران تعزيز أوراق قوتها الإقليمية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات الرسمية، فالجولة الأخيرة من المواجهة لم تحسم الصراع، ولم تبدد أسباب التوتر، بل أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود القوة وفعالية الردع ومستقبل المفاوضات، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية حقيقية أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصدام؟

في هذا، أجرى موقع تفصيلة، حوارًا صحفيًا مع محامي الأمن القومي الأمريكي، إرينا تسوكرمان، لتكشف لنا السيناريوهات المقبلة بشأن المنطقة، والتي نسردها لكم في السطور التالية.

هل أخطأت واشنطن  بتعاملها مع ملفات إيران الإقليمية باعتبارها قضايا منفصلة؟

يعكس المثلث القائم حاليًا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تناقضًا استراتيجيًا أساسيًا لم تتمكن واشنطن ولا تل أبيب من حله حتى الآن.

وتبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصممة على التوصل إلى شكل من أشكال الترتيب الدبلوماسي مع طهران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المكاسب العسكرية التي تحققت خلال الحملة ضد إيران، والإبقاء على الضغوط الاقتصادية عليها، وقد أدى هذا الهدف إلى تبني سياسة تقوم على الفصل بين الملفات، إذ ترغب واشنطن في عزل الملف الإيراني عن لبنان، وحزب الله، وغزة، وشبكة النفوذ الإقليمي الإيرانية الأوسع.

إرينا تسوكرمان 
إرينا تسوكرمان 

لكن المشكلة تكمن في أن طهران لا تنظر إلى هذه الساحات باعتبارها ملفات منفصلة، بل ترى لبنان، والعراق، واليمن وسوريا، والملف النووي، كعناصر مترابطة ضمن منظومة استراتيجية واحدة.

كيف تحولت الضغوط الأمريكية من طهران إلى تل أبيب؟

هنا تبرز نقطة تستحق انتقادًا جوهريًا في مقاربة ترامب، فمن خلال الضغط على إسرائيل للحد من عملياتها في لبنان، وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي أوسع، قامت واشنطن عمليًا بنقل الضغط من طهران إلى تل أبيب، وبدلًا من إجبار إيران على الاختيار بين الحفاظ على حزب الله أو الحصول على تخفيف للعقوبات وتعافٍ اقتصادي وتطبيع دبلوماسي، أصبح العبء يقع على إسرائيل لممارسة ضبط النفس، والنتيجة أن الوكيل الإقليمي الأهم لإيران ما زال عاملًا مؤثرًا في المعادلة الاستراتيجية، بينما تواجه إسرائيل ضغوطًا لتجنب أي تحركات قد تعرقل المفاوضات.

سياسة ترامب في التعامل مع الملف الإيراني؟

تتجلى نقاط الضعف في موقف ترامب بصورة أوضح عند النظر إلى المسألة من زاوية الردع، فالردع يقوم على إقناع الخصوم بأن كلفة العدوان تفوق مكاسبه المحتملة، وإذا توصلت إيران إلى قناعة بأن الأولوية القصوى لواشنطن هي الحفاظ على المفاوضات، فإن ذلك قد يمنح طهران ثقة أكبر في أن التصعيد المحسوب يمكن استخدامه دون التعرض لرد حاسم، كما أن نمط تبادل الضربات الصاروخية يعقبه الضغط من أجل التهدئة، قد يعزز هذا الانطباع.

ومن منظور طهران، قد يخلق ذلك انطباعًا بأن الولايات المتحدة، أكثر اهتمامًا بمنع التصعيد الإسرائيلي من اهتمامها بفرض أثمان على السلوك الإيراني، وربما لا تكون هذه هي الرسالة التي تريد واشنطن إيصالها، لكنها قد تكون الرسالة التي يتلقاها الخصوم.

كيف تمنح أذرع إيران ورقة الربح في التعامل مع المفاوضات؟

لا تقتصر المشكلة على لبنان وحده، فالاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، تقوم دائمًا على الحفاظ على عدة نقاط ضغط متزامنة "حزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق، والحوثيون في اليمن، والشبكات المختلفة في سوريا"، تشكل مجتمعة، بنية ردع تهدف إلى تعقيد أي عمل عسكري ضد إيران نفسها، وبالتالي فإن محاولة التفاوض مع طهران، بالتوازي مع تقليل الضغط العسكري على هذه الأصول، قد تؤدي إلى تعزيز الهيكل ذاته الذي يمنح إيران أوراق القوة.

لماذا لا تكفي الضربات العسكرية لتحقيق انتصار استراتيجي دائم؟

مقاربة رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الحد من الرد بعد الهجمات الصاروخية الإيرانية، ربما حال دون تصعيد فوري، لكنه لم يغير المعادلة الاستراتيجية بصورة جوهرية، فما زالت البنية الصاروخية الإيرانية تشكل تهديدًا، وما زال حزب الله يحتفظ بسلاحه رغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها، كما أن شبكات القيادة والتنسيق التي تربط طهران بحلفائها الإقليميين، لا تزال قائمة إلى حد كبير، وبالتالي، فإن النتيجة لم تكن حلًا للأزمة بقدر ما كانت تأجيلًا لها.

هل تعالج الأطراف جذور الأزمة أم تدير تداعياتها فقط؟

وفي السياق الحالي، قد يسهم تقليص الرد على الهجمات الصاروخية الإيرانية، في خفض المخاطر الآنية، لكنه يترك جذور الصراع من دون معالجة، فإيران تستطيع الادعاء بأنها ردت على التحركات الإسرائيلية، وإسرائيل تستطيع القول إنها حافظت على حرية عملها وتجنبت حربًا أوسع، وواشنطن تستطيع التأكيد أن الدبلوماسية ما زالت ممكنة، لكن كل هذه النتائج لا تزيل الأسباب التي أوجدت الأزمة أساسًا.

ماذا كشفت المواجهة الأخيرة عن حسابات واشنطن وطهران وتل أبيب؟

لقد أظهرت التطورات الأخيرة، أن إيران ما زالت مستعدة لضرب إسرائيل مباشرة في ظروف معينة، وأظهرت إسرائيل أنها ما زالت مستعدة لتنفيذ عمليات عسكرية ضد المصالح الإيرانية وحلفائها، كما أظهرت الولايات المتحدة، أنها ما زالت شديدة القلق من أي تصعيد قد يقوض الجهود الدبلوماسية، ولم يتغير أي من هذه المعطيات بعد الجولة الأخيرة من المواجهة.

هل تمهد الدبلوماسية الحالية لتسوية أم لهدنة مؤقتة؟

سياسة ترامب، تسعى إلى خفض التصعيد الإقليمي، دون وضع سلم واضح للأولويات، وإذا بقيت القدرات العسكرية لحزب الله قائمة بدرجة كبيرة، واستمرت القوات الصاروخية الإيرانية في العمل، واحتفظت طهران بقدرتها على تحريك جبهات متعددة في المنطقة، فإن أي اتفاق مستقبلي قد يتحول إلى مجرد هدنة مؤقتة بدلًا من تسوية حقيقية.

كيف ترى سياسة نتنياهو في التعامل مع الأزمة؟

سياسة نتنياهو تواجه تحديًا مختلفًا، حيث إن الاكتفاء بردود محدودة، قد يحافظ على الاستقرار قصير المدى، ويحمي العلاقة مع واشنطن، لكنه يمنح الخصوم وقتًا لإعادة بناء قدراتهم والتكيف مع الظروف الجديدة، والردع الذي يظهر قوته مرارًا من دون أن يترجم إلى تغيير استراتيجي دائم يفقد تدريجيًا جزءًا من مصداقيته.

لماذا تبدو المنطقة عالقة بين الحرب والسلام؟

لا يوجد أي طرف مستعد لخوض مواجهة حاسمة، كما لا يبدو أن أيًا منهم مستعد لقبول إعادة هيكلة جذرية للبيئة الأمنية، فواشنطن تسعى إلى الدبلوماسية، وطهران تسعى إلى تعزيز أوراق القوة، وتل أبيب تسعى إلى الردع، وقد تتعايش هذه الأهداف مؤقتًا لكنها لا تحل جوهر الصراع.

هل انتهت الأزمة فعلاً أم أن العد التنازلي للمواجهة المقبلة بدأ بالفعل؟

يبدو المشهد الحالي أقرب إلى استراحة بين جولتين من المواجهة منه إلى نهاية للصراع، فقد يجري احتواء الأزمة الراهنة، لكن القضايا الأساسية لا تزال كما كانت قبل إطلاق الصواريخ، فما زالت إيران تمتلك أدوات إسقاط النفوذ عبر حلفائها الإقليميين، وما زال حزب الله لاعبًا عسكريًا مؤثرًا رغم الانتكاسات التي تعرض لها، وما زالت إسرائيل مقتنعة بأن هذه التهديدات لا يمكن تجاهلها إلى ما لا نهاية، فيما تواصل الولايات المتحدة السعي إلى تجنب حرب إقليمية واسعة مع الإصرار على المسار الدبلوماسي.

تم نسخ الرابط