قصة بداية التقويم الإسلامي.. لماذا اختار الصحابة شهر المحرم؟
في كل عام هجري جديد يتجدد سؤال يطرحه كثير من المسلمين: إذا كانت الهجرة النبوية الشريفة قد وقعت في شهر ربيع الأول، فلماذا تحتفل الأمة الإسلامية ببداية السنة الهجرية في شهر المحرم؟ وما السر وراء اختيار هذا الشهر تحديدًا ليكون فاتحة التقويم الإسلامي؟
وقد أجابت دار الإفتاء المصرية عن هذا التساؤل، موضحة الخلفيات التاريخية والشرعية التي أدت إلى اعتماد شهر المحرم بدايةً للسنة الهجرية، رغم أن أحداث الهجرة النبوية المباركة نفسها جرت فعليًا خلال شهر ربيع الأول.
الهجرة النبوية.. الحدث الأعظم في تاريخ الأمة
أكدت دار الإفتاء أن الهجرة النبوية الشريفة تمثل واحدة من أهم المحطات التاريخية في مسيرة الإسلام، إذ لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بل كانت تحولًا حضاريًا وإنسانيًا عظيمًا أسس لقيام الدولة الإسلامية ونشر رسالة الإسلام في آفاق واسعة.
وأوضحت الدار أن الوقائع الفعلية للهجرة، بما فيها خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ووصوله إلى المدينة المنورة، حدثت بالفعل خلال شهر ربيع الأول، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول سبب ارتباط بداية السنة الهجرية بشهر المحرم وليس بربيع الأول.
وبيّنت دار الإفتاء أن اختيار شهر المحرم لم يكن اختيارًا عشوائيًا أو منفصلًا عن أحداث الهجرة، وإنما جاء ارتباطًا بالمرحلة التي بدأت فيها الإرادة الحقيقية للهجرة والتخطيط العملي لها.
فبعد موسم الحج الذي شهد بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بدأت مرحلة جديدة من الإعداد النفسي والتنظيمي للهجرة المباركة، وتبلورت فكرة الانتقال إلى المدينة المنورة بصورة واضحة وقد تزامنت هذه المرحلة مع دخول شهر المحرم، ما جعل هذا الشهر يمثل البداية الفعلية للمشروع التاريخي الذي انتهى بقيام المجتمع الإسلامي في المدينة.
ومن هنا رأى الصحابة رضي الله عنهم أن المحرم هو الأنسب ليكون نقطة انطلاق السنة الهجرية، باعتباره الشهر الذي بدأت فيه مقدمات الهجرة وأسبابها الحقيقية، حتى وإن كانت الرحلة ذاتها قد اكتملت بعد ذلك في ربيع الأول.
واستعرضت دار الإفتاء جانبًا مهمًا من تاريخ التدوين الزمني عند العرب والمسلمين، موضحة أن العرب قبل اعتماد التقويم الهجري لم يكن لديهم نظام تأريخ ثابت كما هو معروف اليوم.
وكانت الأحداث الكبرى تمثل نقاطًا مرجعية لتحديد الأزمنة، ومن أشهرها "عام الفيل"، وهو العام الذي شهد محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة، كما أنه العام الذي وُلد فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وظل المسلمون يستخدمون هذا الأسلوب في التأريخ خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، واستمر الأمر كذلك في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قبل أن تظهر الحاجة إلى وضع تقويم إسلامي موحد يضبط المعاملات والوثائق والمكاتبات الرسمية للدولة الإسلامية المتسعة.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان صاحب المبادرة في وضع التقويم الإسلامي الرسمي، بعدما لاحظ الحاجة الملحة إلى نظام تأريخ واضح ومنظم.
ولهذا جمع كبار الصحابة وتشاور معهم في الحدث الذي ينبغي أن يُتخذ أساسًا للتقويم الإسلامي. وتعددت الآراء حول عدد من المحطات المهمة في السيرة النبوية، مثل مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعثته أو وفاته.
غير أن الصحابة أجمعوا في نهاية الأمر على أن الهجرة النبوية هي الحدث الأبرز والأكثر تعبيرًا عن نشأة الأمة الإسلامية وتحولها من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع، ولذلك تقرر اعتمادها بداية للتاريخ الإسلامي.
لماذا لم يبدأ التقويم من شهر رمضان؟
ومن النقاط التي أوضحتها دار الإفتاء أن الصحابة ناقشوا كذلك مسألة الشهر الذي ينبغي أن تبدأ منه السنة الهجرية.
وخلال المشاورات طُرحت عدة آراء، وكان من بينها اقتراح أن يبدأ العام بشهر رمضان لما يتمتع به من مكانة عظيمة وفضائل جليلة في الإسلام.
لكن الرأي استقر في النهاية على شهر المحرم، وذلك لأسباب متعددة؛ أبرزها أنه يأتي عقب انتهاء موسم الحج مباشرة، حيث يعود الحجاج إلى أوطانهم بعد أداء المناسك، كما أنه أحد الأشهر الحرم التي خصها الله تعالى بمكانة وتعظيم خاصين.
وبهذا أصبح شهر المحرم فاتحة التقويم الإسلامي وبداية السنة الهجرية التي يتجدد معها استحضار ذكرى الهجرة النبوية وما تحمله من دروس ومعانٍ خالدة.
وأكدت دار الإفتاء أن الاحتفال بقدوم العام الهجري الجديد لا يرتبط بمجرد استذكار تاريخ معين أو حدث وقع في يوم محدد، وإنما يتجاوز ذلك إلى استحضار المقاصد الكبرى للهجرة النبوية ومعانيها العميقة.
فالهجرة في مفهومها الإسلامي ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل هي انتقال من حال إلى حال، ومن الضعف إلى القوة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الانغلاق إلى البناء والعمران.
كما أنها تجسد معاني التضحية والإيمان والصبر والثبات على المبادئ والثقة في وعد الله تعالى، وهي قيم تحتاجها المجتمعات والأفراد في كل زمان ومكان.
الهجرة المستمرة.. من المعصية إلى الطاعة
وفي سياق الحديث عن الدلالات الروحية للهجرة، أوضحت دار الإفتاء أن المسلم مطالب بهجرة دائمة ومتجددة في حياته اليومية، تتمثل في الابتعاد عن الذنوب والمعاصي والأخلاق السيئة، والسعي نحو الطاعة والاستقامة والعمل الصالح.
فالمقصود من إحياء ذكرى الهجرة ليس الاقتصار على سرد الوقائع التاريخية، بل تحويل هذه الذكرى إلى فرصة لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله تعالى، والعمل على إصلاح السلوك وتقويم الأخلاق وبناء الشخصية المؤمنة.
وتزكية النفس ومجاهدة الهوى تمثلان جوهر الهجرة المعنوية التي تبقى مطلوبة من المسلم في كل عصر، وهو المعنى الذي أكدته النصوص الشرعية وأرشدت إليه السنة النبوية المطهرة.
واستشهدت دار الإفتاء بالحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية».
وأوضحت أن الحديث يشير إلى انتهاء الهجرة المكانية من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة، لكنه في الوقت ذاته يؤكد استمرار معاني الهجرة الإيمانية من خلال الجهاد بالنفس والنية الصادقة والعمل الصالح.
ومن ثم فإن استقبال شهر المحرم وبداية السنة الهجرية يمثل مناسبة سنوية لتجديد النيات، ومراجعة المسار، واستلهام الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الشريفة، التي ظلت على مدار القرون نموذجًا خالدًا للتضحية والإخلاص والإيمان الراسخ.
اقرأ أيضاً.. الأزهر في مواجهة التطرف.. كيف تقود المؤسسة الدينية معركة الوعي وحماية الهوية؟

