رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

د. ولاء عابد تكتب: تحديات التحديث وهيبة التشريع.. قانون الأسرة للمسيحيين كركيزة للجمهورية الجديدة

تفصيلة

لم تكن موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين خطوة إجرائية عابرة بل لحظة كاشفة عن مدى نضج الدولة المصرية في إدارة أحد أكثر ملفاتها حساسية وهو التوازن بين التنوع الديني ووحدة الإطار القانوني.

نحن أمام تحول نوعي ينقل هذا الملف من حالة الاجتهادات المتناثرة واللوائح المتقادمة إلى مرحلة سيادة النص القانوني الموحد حيث لا مجال للفوضى التفسيرية ولا مساحة لتضارب الأحكام. 

إنها لحظة استعادة هيبة التشريع حين يصبح القانون هو المرجعية الوحيدة الحاكمة لا التأويل ولا التقدير الشخصي.

كما تكمن قوة هذا القانون في معالجته الدقيقة لإشكالية طالما أرهقت الواقع القانوني ألا وهي كيف نحترم قدسية العقيدة دون أن نربك مدنية الدولة؟.. الإجابة جاءت واضحة فالمشرع لم يتدخل في جوهر العقيدة بل صاغ إطارا  قانونيا يحمي آثارها المدنية ويضمن تطبيقها في سياق منظم وعادل وهو ما يجعل هذا القانون نموذجا متوازنا يجمع بين الخصوصية الدينية والانضباط القانوني.
والأهم أن هذا التشريع لم يفرض من أعلى بل جاء نتاج توافق حقيقي بين الكنائس المصرية والدولة وهو ما يرقى إلى مستوى عقد اجتماعي جديد يطمئن المواطن بأن حقوقه الدينية تمارس داخل مظلة قانونية تحميه لا خارجه.
ولعل دلالة وجود عدد كبير من المواد المشتركة مع قانون الأسرة للمسلمين تتجاوز البعد الفني لتؤكد رؤية سياسية واضحة تتضح في عدة نقاط وهى أن المواطنة في الدولة المصرية ليست شعارا بل ممارسة تشريعية حقيقية حيث تتوحد القواعد الإجرائية في القضايا الإنسانية العامة مثل إثبات النسب والولاية التعليمية بينما تظل الخصوصية مصونة في إطارها العقائدي.
لقد عانى الواقع العملي لسنوات من تشتت المرجعيات وتعدد اللوائح وهو ما انعكس في بطء التقاضي وتضارب الأحكام بل وأحيانا ضياع الحقوق ليأتي هذا القانون لينهي هذه الفوضى جامعا في أكثر من 160 مادة منظومة متكاملة تلغي  العمل بلوائح قديمة وتؤسس لمرحلة من الوضوح والاستقرار.

وهنا تتجلى ثلاثة مكاسب استراتيجية لا يمكن تجاهلها اولا الوضوح التشريعي الحاسم الذي يقضي على مساحات التأويل ويختصر سنوات من النزاعات القضائية.
ثانيا الوصول إلى استقرار مجتمعي ممتد عبر تنظيم دقيق لقضايا الأسرة بما يحمي مصلحة الطفل ويصون حقوق المرأة.
ثالثا ترسيخ هيبة الدولة حين يتحدث القانون بصوت واحد واضح لا يقبل الالتباس.

إن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين ليس مجرد تنظيم قانوني بل استثمار مباشر في السلم المجتمعي ورسالة سياسية وقانونية للعالم بأن مصر تمضي بثبات نحو بناء دولة حديثة لا تذيب الفوارق الدينية ولا تسمح لها في الوقت ذاته أن تربك العدالة.
نحن لا نعيد كتابة نصوص قانونية فحسب بل نعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس من الإنصاف والوضوح والاحترام المتبادل وهذا في جوهره هو المعنى الحقيقي للجمهورية الجديدة.

تم نسخ الرابط