واشنطن تبحث عن بديل عالمي لمنظمة الصحة: مليارا دولار سنويًا لمراقبة الأوبئة بعد الانسحاب الدولي
مرحلة جديدة تدخلها السياسة الصحية الأميركية، مع تحرك واسع لإعادة رسم دور واشنطن في منظومة الصحة العالمية بعد الانسحاب من منظمة دولية لعبت لعقود دور العمود الفقري في مراقبة الأوبئة.
قرار مكلف ماليًا وسياسيًا يفتح باب التساؤلات حول الجدوى والقدرة على تعويض النفوذ الذي فُقد، في وقت تتزايد فيه المخاطر الصحية العابرة للحدود.
واشنطن وخطة أميركية لإعادة بناء نظام مراقبة الأمراض
بدأت الولايات المتحدة وضع اللمسات الأولى على مشروع ضخم يهدف إلى إنشاء نظام بديل لمراقبة الأمراض عالميًا، بعد انسحابها الرسمي من منظمة الصحة العالمية.
الخطة المقترحة تتضمن إنفاقًا سنويًا يقترب من ملياري دولار، أي ما يعادل أضعاف المساهمات التي كانت واشنطن تقدمها سابقًا للمنظمة الدولية.
إدارة المشروع أوكلت إلى وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، التي طلبت التمويل خلال الأسابيع الماضية ضمن مداولات داخلية مع البيت الأبيض، في إطار مسعى أوسع لإعادة بناء البنية التحتية للصحة العالمية التي تخلت عنها الولايات المتحدة عقب قرار الانسحاب.
بنية تحتية بديلة واتفاقيات ثنائية
تفاصيل الخطة تشير إلى إنشاء شبكات مختبرات، وأنظمة تبادل بيانات، وآليات استجابة سريعة لتفشي الأمراض، وهي مهام كانت منظمة الصحة العالمية تضطلع بها عبر شبكة دولية واسعة.
التوجه الجديد يعتمد على اتفاقيات ثنائية مباشرة مع الدول، إلى جانب توسيع وجود الوكالات الصحية الأميركية في عشرات الدول الإضافية.
مسؤولون في الإدارة الأميركية أكدوا أن التمويل المخصص يهدف إلى “بناء الأنظمة والقدرات التي كانت المنظمة توفرها سابقًا”، في محاولة لضمان حماية الأميركيين أولًا، وفق الشعار الذي ترفعه الإدارة الحالية.
تكلفة أعلى ونفوذ أقل
قبل الانسحاب، كانت واشنطن تقدم نحو 680 مليون دولار سنويًا لمنظمة الصحة العالمية، ما مثّل ما بين 15 و18% من ميزانيتها البالغة قرابة 3.7 مليار دولار، لتكون أكبر مساهم مالي وأكثر الأعضاء نفوذًا منذ تأسيس المنظمة عام 1948.
المقارنة الرقمية تضع المشروع الجديد في موضع تساؤل، إذ سيكلف ثلاثة أضعاف تقريبًا مقابل نظام لم يثبت بعد قدرته على تحقيق نفس النتائج.
خبراء الصحة العامة يرون أن إعادة إنشاء منظومة دولية موازية بتكلفة مضاعفة “لا تبدو منطقية ماليًا”، محذرين من أن الولايات المتحدة لن تحصل على نفس جودة المعلومات أو اتساع نطاق البيانات أو النفوذ السياسي الذي كانت تحققه من خلال عضويتها في المنظمة الدولية.
انتقادات علمية وتحذيرات استراتيجية
أكاديميون بارزون، بينهم أستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد شغل منصبًا قياديًا سابقًا في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، حذروا من أن المشروع يأتي بعد تخفيضات كبيرة في مساعدات الصحة العالمية، ما فاقم الأضرار بدل معالجتها.
تقديرات الخبراء تشير إلى أن البديل الأميركي قد لا يستمر طويلًا، ولن يحقق سوى جزء محدود من النتائج التي وفرتها آليات التعاون الدولي.
الانتقادات تركز أيضًا على محدودية الوصول، إذ توفر منظمة الصحة العالمية قنوات اتصال مع دول كبرى مثل الصين وروسيا، وهي دول لا تشارك بياناتها الصحية بشكل روتيني مع واشنطن.
انسحاب مثير للجدل وردود دولية
قرار الانسحاب الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع بداية ولايته الثانية جاء على خلفية اتهامات للمنظمة بسوء إدارة جائحة كورونا، وعدم تنفيذ إصلاحات داخلية، والخضوع لنفوذ سياسي غير متوازن.
المنظمة الدولية ردت بأن الخطوة تجعل الولايات المتحدة والعالم أقل أمانًا، معتبرة أن فقدان أكبر داعميها الماليين والسياسيين يمثل ضربة قاسية للأمن الصحي العالمي.



