من فتيات العنب إلى سيدة البرتقال.. حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإهمال
سيدة البرتقال واحدة من بين العاملات في الحقول البعيدة عن عيون الكاميرات، حيث تمتد مساحات خضراء توحي بالخير والرزق، تعيش آلاف السيدات العاملات في المزارع حكايات يومية من المشقة والعناء، قد تنتهي أحيانًا بعودتهن إلى منازلهن منهكات، وقد تنتهي أحيانًا أخرى بنهاية مأساوية لا تعود بعدها صاحبة الحكاية أبدًا.
ساعات طويلة وأجور زهيدة
تخرج العاملة الزراعية من منزلها قبل شروق الشمس، تودّع أبناءها على عجل، تحمل همّ اليوم قبل أن تحمل أدوات العمل. رحلة طويلة تبدأ غالبًا من قرية فقيرة، في سيارة نصف نقل أو ميكروباص متهالك، مكتظ بالأجساد المتعبة، بلا مقاعد آمنة أو أدنى وسائل حماية. الطريق نفسه خطر، والحوادث باتت جزءًا مألوفًا من يومياتهن، وكأن القدر يختبر صبرهن منذ اللحظة الأولى.
في المزرعة، لا تقل المعاناة قسوة. ساعات طويلة من العمل تحت الشمس، أجور زهيدة لا تتناسب مع الجهد المبذول، ولا عقود أو تأمين أو ضمانات. تجمع العاملات العنب أو البرتقال أو غيره من المحاصيل، يحملن أقفاصًا ثقيلة تفوق طاقتهن، يتسلقن، ينحنين، ويتحملن ما لا يتحمله الجسد. لا فرق بين شابة في مقتبل العمر أو سيدة تجاوزت الخمسين، فالحاجة توحد الألم.
تفاصيل حادث سيدة البرتقال
حادثة مصرع سيدة البرتقال، التي سقطت عليها أقفاص الفاكهة أثناء عملها، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإهمال. سيدة خرجت تسعى إلى لقمة عيش شريفة، فعادت جثة هامدة. نُقلت إلى المستشفى، لكن الإصابة كانت أقوى من جسد أنهكه الفقر والعمل. ماتت، وتحرر محضر، وبدأ التحقيق… وانتهى المشهد رسميًا، بينما بقي الوجع في قلوب أسرتها.
وقبلها، لم تبرح الذاكرة حادث فتيات الطريق الدائري، ذلك المشهد الصادم الذي كشف للعالم حجم المخاطر التي تواجهها العاملات الزراعيات حتى قبل وصولهن إلى العمل. فتيات خرجن في صباح عادي، فكان الطريق نهايتهن. ضجيج الحادث خفت مع الوقت، لكن الأسباب ما زالت قائمة: نقل غير آمن، تجاهل، واعتبار هؤلاء النساء أرقامًا لا أرواحًا.
موت يترصد العاملات
ما بين فتيات العنب وسيدة البرتقال، تتعدد التفاصيل لكن النتيجة واحدة الموت يترصد، سواء في الطريق أو في الحقل. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى تظل العاملات الزراعيات خارج حسابات الأمان والرعاية؟ إلى متى يظل العمل في الأرض مرادفًا للمخاطرة بالحياة؟
هؤلاء النساء لا يطلبن المستحيل، فقط رحلة آمنة، وبيئة عمل تحترم آدميتهن، وتقديرًا يليق بعرقهن فالأرض التي تُنبت الخير، لا يجب أن تُروى بدماء من يخدمنها.



