رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

كلاب الشوارع تصنع شهرة «مالك جيوجرافيك».. بين الرحمة والترند

الكلاب الضالة
الكلاب الضالة

لم تكن الكاميرا في يد صانع المحتوى الشاب مالك خلفاوي، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم «مالك جيوجرافيك»، أداة بحث عن الشهرة أو وسيلة لصناعة الترند بقدر ما كانت نافذة مفتوحة على عالم مسكوت عنه، عالم كلاب الشوارع والحيوانات المنسية في الزوايا المظلمة من المدن والقرى. تجربة بدأت بمشهد عابر على رصيف شارع، وانتهت بملايين المتابعين وأكثر من نصف مليار مشاهدة، ورسالة إنسانية أثارت الجدل وأعادت طرح أسئلة كبرى حول دور السوشيال ميديا وحدود المسؤولية المجتمعية تجاه الحيوانات.

وفي حلقة خاصة من برنامج «واحد من الناس»، فتح الإعلامي الدكتور عمرو الليثي هذا الملف الإنساني، مستضيفًا مالك خلفاوي ليكشف للمرة الأولى كواليس رحلته، منذ اللحظة الأولى التي التقط فيها هاتفه وصوّر كلبة مرهقة بعد الولادة، وحتى تحوّله إلى أحد أبرز صناع المحتوى المتخصصين في إنقاذ الحيوانات، وسط تفاعل واسع بين مؤيدين ومشككين، وداعمين ورافضين.

البداية من الرصيف: مشهد عابر غيّر المسار

يروي مالك خلفاوي أن بدايته لم تكن مخططًا لها، ولم تحمل أي نية مسبقة لصناعة محتوى أو دخول عالم السوشيال ميديا ففي أحد الأيام، وأثناء توجهه إلى عمله، لفت انتباهه مشهد لكلبة تجلس بجوار الرصيف، تبدو عليها علامات الإرهاق الشديد بعد الولادة، تحيط بها جراء صغيرة لا تقوى حتى على الحركة.

المشهد، بحسب روايته، لم يكن مجرد لقطة عاطفية عابرة، بل صدمة إنسانية دفعته إلى التوقف، وحمل الكلبة وصغارها، ونقلهم إلى مكان آمن أسفل سلم العمارة التي يسكن بها، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من الحماية والرعاية. دون تخطيط، أخرج هاتفه وصوّر تلك اللحظات، لا بهدف النشر أو جذب الانتباه، وإنما لتوثيق موقف إنساني شعر أنه يجب ألا يمر في صمت.

أول فيديو.. تفاعل متباين وجدال مبكر

عندما قرر نشر الفيديو، لم يكن يتوقع حجم ردود الفعل التي تلقاها. فبينما عبّر كثيرون عن تعاطفهم ودعمهم، جاءت تعليقات أخرى حادة ومشككة، تتساءل عن جدوى ما يفعله، وتحذّره من مخاطر الاقتراب من كلاب الشوارع، أو تتهمه بالسعي وراء الشهرة.

هذا التباين، بحسب مالك، شكّل أول اختبار حقيقي لتجربته، وفتح أمامه بابًا للتساؤل: هل يمكن أن تكون السوشيال ميديا أداة للرحمة، أم أنها محكومة فقط بمنطق الترند والمشاهدات؟ وهل يمكن لمحتوى بسيط، صادق، أن يُحدث أثرًا حقيقيًا في سلوك الناس؟

من موقف فردي إلى مشروع إنساني

لم يتوقف الأمر عند هذا الفيديو. فمع تكرار المواقف المشابهة، بدأت التجربة تتبلور. يحكي مالك عن عمله في محافظة أسيوط، حيث صادف كلبًا ملقى بجوار نقطة شرطة، عاجزًا عن الحركة. بعد السؤال، تبيّن أنه تعرّض لحادث دهس وترك لمصيره.

بدافع إنساني بحت، قرر التدخل، وبدأ في زيارته يوميًا، يقدّم له الطعام والماء، ويتابع حالته الصحية حتى بدأت تتحسن تدريجيًا مرة أخرى، لجأ إلى التصوير، ليس لتوثيق المعاناة فقط، بل لنقل رسالة مفادها أن الحيوان المصاب لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى يد رحيمة واهتمام بسيط.

السوشيال ميديا كوسيلة رحمة لا شهرة

يؤكد مالك خلفاوي، خلال حديثه مع الدكتور عمرو الليثي، أن قراره كان واضحًا منذ اللحظة الأولى: تحويل السوشيال ميديا إلى وسيلة رحمة لا وسيلة شهرة. ويقول إنه لم يسعَ يومًا وراء الأرقام، رغم أن فيديوهاته تجاوزت حاجز نصف مليار مشاهدة، وهو رقم يضعه ضمن أبرز صناع المحتوى في هذا المجال على مستوى المنطقة.

ويرى أن الشهرة، إن جاءت، فهي نتيجة جانبية وليست هدفًا، مشددًا على أن القيمة الحقيقية تكمن في عدد الحيوانات التي تم إنقاذها، وعدد الأشخاص الذين تغيّر وعيهم تجاه كلاب الشوارع بعد مشاهدة هذه المقاطع.

أرقام المشاهدات.. ماذا تعني؟

نصف مليار مشاهدة رقم ضخم، لكنه بالنسبة لمالك لا يُقاس بمعايير النجاح التقليدية. فهو يرى أن كل مشاهدة ربما تعني شخصًا أعاد التفكير قبل إيذاء حيوان، أو أسرة قررت تقديم الطعام لكلب في الشارع، أو شابًا قرر التطوع في إنقاذ الحيوانات.

ويشير إلى أن التأثير الحقيقي ظهر في الرسائل التي تصله يوميًا من متابعين يؤكدون أن فيديوهاته دفعتهم لأول مرة إلى الاقتراب من الحيوانات بلا خوف، أو إلى الإبلاغ عن حالات إصابة وإنقاذها بدل تجاهلها.

أزمة كلاب الشوارع.. رؤية من قلب الشارع

خلال الحلقة، تطرّق الحديث إلى أزمة كلاب الشوارع، وهي القضية التي تشغل الرأي العام بين الحين والآخر، خاصة مع تكرار حوادث العقر والمطالبات بحملات الإبادة. هنا، قدّم مالك رؤية مختلفة نابعة من تجربته الميدانية، مؤكدًا أن المشكلة لا تُحل بالعنف أو القتل، بل عبر حلول علمية وإنسانية مثل التعقيم والرعاية والوعي المجتمعي.

ويرى أن شيطنة كلاب الشوارع ظلم مضاعف، لأنها في الأصل ضحية الإهمال البشري، سواء بالتخلي عن الحيوانات الأليفة أو بعدم وجود سياسات واضحة لإدارة الملف.

صناعة الوعي.. التأثير غير المباشر

لم يقتصر تأثير تجربة «مالك جيوجرافيك» على إنقاذ الحيوانات فحسب، بل امتد إلى صناعة وعي جمعي جديد. فمع انتشار الفيديوهات، بدأ كثيرون في إعادة نشرها، والتعليق عليها، وفتح نقاشات حول حقوق الحيوان، ودور الدولة، ومسؤولية الفرد.

ويؤكد مالك أن هذا التفاعل هو المكسب الحقيقي، لأن أي تغيير مجتمعي يبدأ بفكرة، ثم يتحول إلى نقاش، ثم إلى سلوك

بين الدعم والهجوم.. ضريبة الطريق

لم تكن الرحلة خالية من العقبات. فإلى جانب الدعم الواسع، تعرّض مالك لهجوم شرس في بعض الأحيان، واتهامات بالاستغلال أو المبالغة، لكنه يرى أن ذلك جزء طبيعي من أي تجربة علنية، خاصة عندما تمس قضايا حساسة ومهملة.

 

 

تم نسخ الرابط