رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

«بيبي وقع في شر أعماله».. هل يخسر نتنياهو المليارات الأمريكية بعد عقود من الدعم؟ تقرير

تفصيلة

ثلاثة تطورات متلاحقة وضعت إسرائيل في مواجهة مشهد أمريكي لم تعتد عليه، رئيس أمريكي يتحدث عن قطع المساعدات العسكرية، ونائب رئيس يطالب بإعادة النظر في العلاقة معها، وانتخابات تفرز انتصارات لوجوه تتبنى مواقف شديدة الانتقاد لتل أبيب.

ويبدو أن الحليف الذي اعتاد أن يجد واشنطن في انتظاره كلما احتاج إلى المال أو السلاح أو الغطاء السياسي، بات مضطرًا هذه المرة إلى متابعة ما يحدث داخل البيت الأمريكي بقلق، وهكذا تجد إسرائيل نفسها أمام مفارقة لافتة، إذ أصبح الصديق الصدوق لها مطالب بمراجعة الفاتورة، وربما لم تعد الشيكات الأمريكية مفتوحة كما اعتادت.

ترامب يفتح باب القطيعة.. هل تنتهي المساعدات العسكرية لإسرائيل؟

خلال نحو 24 ساعة، أطلق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب تصريحات بشأن احتمال وقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل، والتي تقدر بنحو 4 مليارات دولار سنويًا، إلا أنه لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت هذه التصريحات تعكس توجهًا رسميًا للإدارة الأمريكية، أم أنها محاولة للتأثير على الناخبين خلال يوم الانتخابات.

ولم يقدم البيت الأبيض توضيحات إضافية بشأن تصريحات الرئيس الأمريكي، رغم طلب الحصول على مزيد من التفاصيل.

وعلى مدار سنوات، حرص رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو على تقديم ترامب باعتباره أقرب رئيس أمريكي إلى إسرائيل، خاصة بعدما اتخذ الأخير خلال ولايته الأولى قرارات قلبت توجهات أمريكية استمرت لعقود، من بينها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وإضفاء الشرعية على المستوطنات اليهودية التي يعتبرها معظم المجتمع الدولي غير قانونية.

وخلال ولايته الثانية، تجاوز الدعم الأمريكي حدود المساندة السياسية، بعدما انضمت واشنطن إلى إسرائيل في حربين ضد إيران.

نتائج الانتخابات الأمريكية تضرب إسرائيل.. عبدول السيد وفانس يكشفان حجم الانقسام

لم تتوقف مؤشرات التحول في الموقف الأمريكي عند تصريحات ترامب، إذ جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي لتكشف عن انتصارات واسعة للديمقراطيين في مختلف أنحاء البلاد، من بينها ولاية ميشيجان، التي حقق فيها عبدول السيد فوزًا ساحقًا على منافسه الجمهوري.

ويعد عبدول السيد من أبرز منتقدي إسرائيل، إذ أقر بأن تل أبيب ارتكبت إبادة جماعية وفظائع في قطاع غزة.

وفي تطور آخر، اتخذ نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، الذي يُنظر إليه باعتباره أبرز المرشحين لخلافة ترامب، موقفًا أكثر تحفظًا تجاه الحرب مع إيران، بالتزامن مع تبنيه نبرة أكثر انتقادًا لإسرائيل.

وفي تحليل نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي صباح اليوم التالي للانتخابات، كشف فانس عن حديث دار بينه وبين خبير استطلاعات رأي لم يسمه، وصفه بأنه من أذكى الشخصيات التي يعرفها في السياسة.

وبحسب فانس، فإن استعادة الجمهوريين للناخبين تتطلب اتخاذ أربعة مسارات، تتمثل في إنهاء الحرب، والتركيز على أزمة تكاليف المعيشة والتضخم، وتقديم المصالح الأمريكية أولًا، إلى جانب إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.

واعتبر تشاك فريليش، نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، أن تصريحات فانس تحمل مؤشرات سلبية على مستقبل العلاقات، موضحًا أن الدعوة إلى تغيير العلاقة مع إسرائيل تلقى قبولًا لدى شريحة من الجمهوريين، خاصة أنصار تاكر كارلسون والتيار اليميني الأكثر انعزالية والمؤيد لترامب.

غزة وإيران تفككان الإجماع الأمريكي.. إسرائيل تخسر دعم الحزبين

لم يعد الخلاف حول إسرائيل مقتصرًا على تيار سياسي بعينه، بعدما أسهمت الحرب المدمرة على قطاع غزة والمواجهة العسكرية المشتركة مع إيران في إضعاف التأييد الأمريكي الذي ظل لعقود قائمًا على دعم الحزبين.

ففي الوقت الذي يشهد فيه الحزب الديمقراطي انقسامًا حادًا بشأن إسرائيل، تتزايد داخل الحزب الجمهوري الأصوات المنتقدة لسياساتها، وسط اختلاف واضح في دوافع الاعتراض بين اليمين واليسار الأمريكيين.

وعلى الجانب الديمقراطي، يتزايد النظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة تواجه عزلة دولية بسبب حرب غزة والتوسع الاستيطاني المصحوب بالعنف في الضفة الغربية المحتلة.

أما داخل اليمين الأمريكي، فيرى منتقدون أن إسرائيل أضعفت شعار ترامب «أمريكا أولًا»، متهمين إياها بدفع الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة وغير ضرورية مع إيران.

وفي هذا السياق، قال مايكل أورين، المؤرخ والسفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن، إن تحولًا جوهريًا طرأ على العلاقة، معتبرًا أن الدعوات المطالبة بوقف المساعدات العسكرية الأمريكية قد تكون مجرد بداية لتغيرات أوسع.

وقف الدعم يربك حسابات تل أبيب

على مدار عقود، قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والأسلحة المتطورة، بالتوازي مع توفير الحماية السياسية لها من الانتقادات داخل الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية.

ويعتبر مؤيدو هذا الدعم أنه استثمار في حليف قوي وموثوق داخل منطقة شديدة الاضطراب، بينما يرى منتقدوه أنه ساهم في تمويل التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وأضعف فرص التوصل إلى حل الدولتين مع الفلسطينيين.

وتصاعدت المساعدات العسكرية الأمريكية عقب هجوم 7 أكتوبر 2023، إذ تجاوزت إدارة الرئيس السابق، جو بايدن الكونجرس للموافقة على مبيعات أسلحة طارئة لإسرائيل.

ورغم أن إدارة بايدن أوقفت شحنة من القنابل التي تزن 2000 رطل خلال ذروة الحرب في غزة، فإنها واصلت تقديم المساعدات العسكرية، كما وافق ترامب بدوره على صفقات أسلحة بمليارات الدولارات لإسرائيل.

ووفقًا لدراسة أكاديمية أُجريت العام الماضي، قدمت الولايات المتحدة مساعدات بقيمة 21.7 مليار دولار لإسرائيل منذ بداية الحرب.

وحذر مايكل سينج، المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، من أن وقف المساعدات الأمريكية سيحدث ارتباكًا كبيرًا داخل إسرائيل، ويمثل تحولًا جوهريًا وأحادي الجانب في طبيعة العلاقة بين البلدين.

وأوضح سينج، الذي شغل سابقًا منصب كبير مديري شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، أن إسرائيل ستضطر في هذه الحالة إلى تدبير تمويل مشترياتها من الأسلحة الأمريكية الصنع، سواء من خلال الاقتراض أو زيادة الضرائب.

نتنياهو يبحث عن بديل للمساعدات الأمريكية.. شراكة جديدة أم مناورة سياسية؟

في المقابل، سبق أن أعلن نتنياهو رغبته في تقليص اعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأمريكية تدريجيًا خلال السنوات العشر المقبلة، بهدف الانتقال إلى علاقة أكثر توازنًا تقوم على الشراكة والاستثمار المتبادل.

وتستهدف هذه الرؤية تقليل الاعتماد الإسرائيلي على أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، مقابل إتاحة الفرصة أمام واشنطن للاستفادة من القدرات التكنولوجية والاستخباراتية الإسرائيلية.

وفي هذا الإطار، قال دورون سبيل مان، المتحدث باسم نتنياهو، خلال مقابلة حديثة مع قناة «فوكس نيوز»، إن رئيس الوزراء يعمل مع ترامب على تنفيذ انتقال سلس من نظام المساعدات إلى مرحلة الشراكة والاستثمار المتبادل.

ولم يصدر عن نتنياهو تعليق بشأن تصريحات ترامب المتعلقة بإمكانية إنهاء المساعدات العسكرية.

سقوط أغلبية نتنياهو لا ينهي الأزمة.. الحكومة المقبلة أمام اختبار واشنطن

ولا يبدو أن تغيير الحكومة الإسرائيلية، في حال حدوثه، سيكون كافيًا لإنهاء الخلافات مع الولايات المتحدة، خاصة أن الأزمة تتجاوز شخصية نتنياهو وتمتد إلى السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة.

ورغم خسارة نتنياهو أغلبيته البرلمانية في انتخابات الأسبوع الماضي، لكن لا يزال من غير المؤكد أن يتمكن خصومه من تشكيل حكومة بديلة والإطاحة به من السلطة.

وفي حال تولي جادي آيزنكوت، القائد العسكري السابق وأبرز منافسي نتنياهو، رئاسة الحكومة، فقد تتجه الإدارة الجديدة إلى اتخاذ خطوات لاحتواء الانتقادات الأمريكية، من بينها التصدي لعنف المستوطنين المتزايد.

لكن التغييرات المحتملة لن تعني بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة، وهي السياسات التي أثارت غضب قطاعات واسعة من الأمريكيين.

الناخب الأمريكي لم يعد يقبل سياسة إسرائيل

وكشفت تصريحات يائير لابيد، أحد أبرز قادة التحالف المناهض لنتنياهو، عن حجم القلق الإسرائيلي من تدهور العلاقات مع واشنطن، إذ دعا عبر منصة «إكس» الحكومة الإسرائيلية المقبلة إلى إرسال ممثلين للولايات المتحدة للتواصل مع البيت الأبيض والكونجرس والقيادات المحلية، والعمل على إصلاح العلاقات.

لكن براد لاندر، النائب الديمقراطي المنتخب حديثًا عن ولاية نيويورك، رد على دعوة لابيد، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتعلق بالحاجة إلى حملة علاقات عامة، وإنما بتجاهل ما يقوله الناخبون الأمريكيون، سواء كانوا يهودًا أم غير يهود.

وكان لاندر قد احتُجز لفترة وجيزة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة الشهر الماضي.

وكتب لاندر أن الأمريكيين لا يريدون جولة انتخابية صاخبة لتحسين صورة إسرائيل، وإنما ينتظرون احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.

10 إلى 20 عامًا لإصلاح ما أفسده نتنياهو.. مستقبل التحالف على المحك

وفي تقييمه لمستقبل العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، حذر نائب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق من أن استمرار نتنياهو في السلطة سيؤدي إلى مزيد من التدهور، وربما يجعل الأزمة أكثر عمقًا.

وأشار إلى أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة قد يفتح الباب أمام عملية طويلة لإعادة بناء العلاقات، لكنه شدد على أن إصلاح الأضرار التي لحقت بالعلاقة خلال فترة نتنياهو قد يستغرق ما بين 10 و20 عامًا.

تم نسخ الرابط