رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

النفط فوق 100 دولار رغم عودة الإمدادات.. 5 عوامل تبقي الأسعار مرتفعة

ارتفاع أسعار النفط
ارتفاع أسعار النفط

لم تنجح عودة جزء كبير من تدفقات النفط القادمة من الشرق الأوسط في دفع أسعار الخام إلى ما دون حاجز 100 دولار للبرميل، حيث لا تزال السوق تحت تأثير مجموعة من العوامل المتشابكة، بينها المخاطر الجيوسياسية، وتراجع المخزونات، وارتفاع تكاليف الشحن، إلى جانب نقص الوقود المكرر.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن استعادة تدفقات الخام لمستويات تقترب من معدلات ما قبل اندلاع الصراع لا تعني بالضرورة عودة سوق الطاقة إلى طبيعتها، فالنفط المتاح يحتاج إلى الوصول للأسواق بصورة منتظمة وآمنة وبتكلفة مناسبة، وهي شروط لا تزال تواجه عقبات متعددة.

ورغم إعلان دول مجموعة السبع وشركائها الإفراج عن ما يصل إلى 100 مليون برميل من مخزونات النفط والديزل الطارئة، لم تؤد الخطوة إلى انخفاض واضح في الأسعار، في ظل استمرار المخاوف بشأن الإمدادات ومسارات النقل البحري.

1- التوترات الجيوسياسية تضيف علاوة إلى سعر الخام

تظل المخاطر الجيوسياسية أحد أبرز العوامل التي تدعم أسعار النفط، في ظل عدم حسم الصراع بين الولايات المتحدة وإيران واستمرار المخاوف من احتمال اتساع نطاق المواجهات مجددًا.

وتزداد حساسية الأسواق تجاه أي تطورات عسكرية بسبب الأهمية الاستراتيجية لممرات نقل الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره قبل الحرب نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

كما تمثل التوترات المستمرة في البحر الأحمر ضغطًا إضافيًا على حركة التجارة والطاقة، مع وجود تهديدات لمسارات النقل التي تمر عبر مضيق باب المندب.

وبالتالي، لا تعتمد تسعيرات النفط على حجم الإمدادات المتاحة حاليًا فقط، وإنما تأخذ الأسواق في الاعتبار احتمالات حدوث اضطرابات جديدة قد تؤدي إلى تقليص المعروض خلال فترة قصيرة.

2- الشحن يرفع تكلفة وصول النفط إلى الأسواق

لم يؤد تحسن تدفقات الخام إلى إنهاء الضغوط اللوجستية، إذ أصبحت عملية نقل النفط من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك أكثر تكلفة بسبب اضطراب حركة الملاحة.

وتتجاوز تكلفة استئجار ناقلات النفط القياسية لنقل الخام من مياه الخليج العربي إلى الصين 1.2 مليون دولار يوميًا، وهو ما يضيف أعباء كبيرة إلى تكلفة وصول البراميل إلى الأسواق.

وتعتمد بعض عمليات نقل الخام عبر مضيق هرمز على النقل المكوكي بين السفن وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، إلى جانب اللجوء إلى مسارات غير تقليدية، وهو ما يعكس استمرار التحديات اللوجستية رغم تحسن كميات الإمدادات.

3- انخفاض المخزونات يقلص هامش الأمان

تعد المخزونات العالمية عنصرًا رئيسيًا في تفسير استمرار ارتفاع أسعار النفط، بعدما تراجعت بأكثر من 400 مليون برميل منذ مارس، لتصل إلى نحو 4.3 مليار برميل، وهو مستوى يقترب من أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات.

ويعني انخفاض المخزون المتاح أن السوق أصبحت تمتلك هامش أمان أقل في مواجهة أي اضطراب جديد بالإمدادات، الأمر الذي يجعل المتعاملين أكثر تأثرًا بالأخبار المتعلقة بالإنتاج والشحن والتوترات الجيوسياسية.

وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب العالمي على النفط إلى نحو 104.8 مليون برميل يوميًا، بزيادة قدرها 6.5 مليون برميل يوميًا مقارنة بأدنى مستوى سجله خلال الحرب في مايو.

وتصبح هذه المعادلة أكثر وضوحًا مع ارتفاع الطلب بالتزامن مع انخفاض المخزونات، إذ يجعل ذلك أي نقص جديد في المعروض أكثر تأثيرًا على الأسعار.

4- عودة الخام لا تنهي أزمة الوقود

لا تقتصر أزمة سوق النفط على توافر الخام، إذ تمتد إلى قدرة المصافي على تحويله إلى المنتجات النهائية التي يحتاج إليها المستهلكون، وعلى رأسها الديزل.

ولا تزال صادرات الوقود من اثنين من أكبر مراكز التكرير، وهما الشرق الأوسط وروسيا، مقيدة، ما يدفع مصافي التكرير في مناطق أخرى إلى رفع معدلات التشغيل لتعويض النقص.

وتؤدي هذه الظروف إلى زيادة الطلب على الخام من جانب المصافي التي تسعى إلى الحفاظ على مستويات إنتاجها، بالتزامن مع تعرضها لمخاطر تشغيلية بسبب الضغط المستمر على معدات التكرير.

ومن ثم، فإن عودة الخام إلى الأسواق لا تعني تلقائيًا انتهاء أزمة المنتجات النفطية، إذ تحتاج عملية تحويل النفط إلى وقود نهائي إلى طاقات تكريرية مستقرة وسلاسل إمداد أكثر أمانًا.

5- ارتفاع النفط يعزز رهانات التحوط من التضخم

تلعب توقعات المستثمرين دورًا متزايدًا في تحديد أسعار النفط، إلى جانب عوامل العرض والطلب الفعلية في السوق.

ومع استمرار ارتفاع تكاليف الوقود، تتزايد الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو إعادة تقييم مسار خفضها.

وفي المقابل، يرى بعض المتعاملين أن النفط يمكن أن يمثل أداة للتحوط من التضخم، خاصة مع ارتفاع عوائد السندات خلال الفترة الأخيرة.

ولا يعني هذا النوع من الطلب بالضرورة زيادة الاستهلاك الفعلي للنفط، لكنه قد يساهم في دفع الأسعار إلى مستويات أعلى من خلال زيادة نشاط المستثمرين في أسواق الخام.

عودة الإمدادات وحدها لا تكفي لخفض الأسعار

تكشف حركة سوق النفط أن بقاء الأسعار فوق 100 دولار للبرميل لا يرتبط بعامل منفرد، وإنما نتيجة تداخل خمسة عوامل رئيسية، هي مخاطر التصعيد العسكري، وارتفاع تكاليف الشحن، وانخفاض المخزونات، ونقص الوقود المكرر، وزيادة الطلب الاستثماري للتحوط من التضخم.

ولهذا، فإن عودة تدفقات الخام إلى مستويات قريبة من معدلات ما قبل الحرب لا تعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، طالما ظلت تكلفة نقل البراميل مرتفعة، والمخزونات عند مستويات منخفضة، وممرات الشحن عرضة للاضطرابات، وقدرات التكرير تحت الضغط.

وتبقى قدرة السوق على استعادة التوازن مرتبطة بعودة حركة التجارة والطاقة إلى مسارات أكثر استقرارًا، وارتفاع المخزونات العالمية، وتحسن إمدادات الوقود النهائي، بالتزامن مع تراجع المخاطر الجيوسياسية التي أصبحت من أبرز العوامل المؤثرة في تسعير النفط.

تم نسخ الرابط