رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

«إخوة الرب» في زمن الغلاء… وجوه أنهكتها الحياة على أبواب الكنائس

خدمات إخوة الرب في
خدمات إخوة الرب في الكنائس

البابا الراحل شنودة الثالث أنشأ «لجنة البر» لرعاية الفقراء وزيادة الأعداد عقبة

البابا تواضروس الثاني أعد قواعد بيانات للحالات المستحقة

التنظيم تزامن مع شكاوى متزايدة من محدودية المساعدات في ظل موجات الغلاء

نبيل عزيز: خدمة «إخوة الرب» عمل تطوعي دون حصول الخدام على أي مقابل مادي

أغلب الدعم يذهب إلى الأرامل أو أسر يعجز عائلها عن العمل بسبب المرض أو التقدم في السن

نبيلة: المساعدات النقدية التي تقدمها الكنيسة للأسر الأشد فقرًا «500 جنيه شهريٌا» لاتكفي


شكاوى المحتاجين وتحديات الموارد المحدودة، تبقى قصة «إخوة الرب» واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حضورًا داخل المجتمع الكنسي، فخلف كل اسم في كشوف المساعدات «حكاية كفاح»، وخلف كل باب يطرق طلبًا للعون إنسان يبحث عن ما هو أكثر من المال، يبحث عن شعور بأنه ما زال جزءًا من الجماعة، وأن كرامته محفوظة مهما اشتدت قسوة الظروف.

في مساء يوم هادئ، كانت درجات السلالم المؤدية إلى إحدى الكنائس تمتلئ بوجوه انهكتها الحياة، نساء يعانون مرار العوز والسؤال، يحملون أكياسًا صغيرة، وأوراقًا مطوية بعناية، وعيونًا تترقب نداء الأسماء أو إشارة من أحد الخدام. هنا، حيث يلتقي الاحتياج بالأمل.

لا يعرفن بأسمائهن بقدر ما يعرفن بلقب قديم أطلق عليهم: «إخوة الرب»، وتلك المصطلح استمد مكانته من تعاليم السيد المسيح، الذي اعتبر الفقراء والمحتاجين إخوته، لكن الكلمة التي كانت يومًا وسامًا روحيًا، يرى البعض أنها تحولت مع الزمن إلى تصنيف اجتماعي يضع أصحابها في دائرة مختلفة عن بقية أبناء الكنيسة.

البابا الراحل شنودة الثالث
البابا الراحل شنودة الثالث

«من البابا شنودة إلى البابا تواضروس»

كان البابا الراحل شنودة الثالث معروفًا بعلاقته الخاصة مع «إخوة الرب»، لم يكن يمر لقاء معهم دون أن يمد يده بالعطاء، كما أنشأ «لجنة البر» التي تولت رعاية آلاف الأسر، وقدمت مساعدات غذائية ومالية وأثاثًا للفتيات المقبلات على الزواج والأيتام.

لكن مع مرور الوقت، ظهرت تحديات جديدة، فمع تزايد أعداد طالبي المساعدات، واستغلال البعض للمعونات بالتنقل بين الكنائس المختلفة، بدأت الحاجة إلى تنظيم العمل الاجتماعي بصورة أكثر دقة.

ومع تولي البابا تواضروس الثاني قيادة الكنيسة، جرى إعداد قواعد بيانات للحالات المستحقة، بهدف ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، إلا أن هذا التنظيم تزامن مع شكاوى متزايدة من محدودية المساعدات، خاصة في ظل موجات الغلاء المتلاحقة.

البابا تواضروس
البابا تواضروس

«الراتب الشهري لا يكفي أسبوع»

فيما تجلس «سامية» على أحد المقاعد الخشبية داخل فناء الكنيسة، وتستعيد رحلة طويلة بدأت منذ وفاة زوجها قبل أكثر من عقد.

تقول إن الكنيسة لم تتركها يومًا وحيدة، لكنها ترى أن المساعدة الشهرية التي تحصل عليها المقدرة ب«400 جنيه» لم تعد تتناسب مع الواقع الحالي.

وتضيف أن ابنها يدرس في التعليم الصناعي، بينما تعتمد هي على معاش زوجها الراحل وبعض المساعدات المحدودة، مؤكدة أن المرض يمنعها من العمل أو إدارة مشروع يوفر لها دخلًا إضافيًا.

«سوء المعاملة ..جرح لا ينسى»

ليست قلة المال وحدها ما يؤلم بعض المحتاجين، فالكلمات أحيانًا تكون أشد قسوة.

تروي «يوستينا» في التاسعة عشرة من عمرها كيف عاشت سنوات تتلقى مساعدات الكنيسة بعد وفاة والدها في حادث، لكن موقفًا تعرضت له أثناء توزيع إعانات العيد جعلها تتوقف عن الذهاب بنفسها للحصول على المساعدة.

تقول إن ما بقي في ذاكرتها ليس قيمة العطاء، بل شعورها بالإهانة أمام الآخرين، مؤكدة أن بعض الخدام يقدمون الخدمة بمحبة واحترام، بينما يتعامل آخرون بطريقة تجرح الكرامة الإنسانية.

معسكر توعوي في الكنيسة
معسكر توعوي في الكنيسة

«بين المرض والحاجة»

أما «عواطف»، وهي سيدة تجاوزت الخامسة والستين من عمرها، فتروي قصة مختلفة، زوجها مريض رحل بعد سنوات من المعاناة، وبنات شققن طريقهن في الحياة بجهودهن الخاصة.

تعتمد اليوم على معاش محدود وراتب بسيط من الكنيسة، وتؤكد أن أبواب الكنيسة لم تُغلق في وجهها يومًا، لكنها تتمنى أن تتناسب المساعدات مع الارتفاع المستمر في أسعار الدواء والغذاء.

«علمونا الصيد أفضل من أعطانا سمكة يطالبون الكنيسة بتوفير مشروع بسيط يدر دخل ثابت أفضل من راتب زهيد».

وفي زاوية أخرى، تجلس «نبيلة» التي انفصلت عن زوجها منذ سنوات طويلة، تاركٌا لها 5 أبناء بمراحل التعليم المختلفة تقول إن الكنيسة وفرت احتياجات أبناءها الدراسية كما أنها تكفلت بتجهيز ابنتها بالكامل للزواج، لكنها ترى أن المساعدات النقدية، التي تقدمها للأسر الأشد فقرًا «500 جنيه شهريٌا» لم تعد قادرة على مواجهة تكاليف الحياة، وتقترح توفير مشروعات صغيرة تمنح الأسر فرصة للاعتماد على نفسها.

واتفقت معها في الرأي السيدة «نجاة»، وهي أم لثلاثة أطفال، فتقول إن أسرتها تستفيد من المساعدات الغذائية والملابس، لكنها تفضل مشروعًا يدر دخلًا منتظمًا على انتظار الإعانات، وتؤكد أن أكثر ما يؤلم المحتاج ليس الفقر نفسه، بل الشعور بأنه عبء على الآخرين.

وأبدت نجاة استياءها من معاملة الخدام لها قائلة كلمة «أنتى مش واقفة فى سوبر ماركت» دى بسمعها كل ما أكون عايزة أبدل أى حاجة من المساعدات اللى باخدها، وبحس أنها إهانة يعنى الخادمة بتقولى «أنتى بتاخدى ببلاش مش من حقك تتكلمى».

ونوهت بحضورها اجتماع السيدات العام بالكنيسة، وأنها لم تحضر اجتماع إخوة الرب أبدًا، وذلك لقناعتها أن إخوة الرب من شعب الكنيسة، ومن المفترض أن يحضروا الاجتماعات العامة، وأن تخصيص ذلك الاجتماع لهم يعنى أنهم فئة مختلفة عن بقية الشعب.

«مسئول الخدمة: الحفاظ على كرامة المستفيدين أولوية أساسية»

فيما أكد نبيل عزيز، مسئول الخدمة الاجتماعية بإحدى الكنائس بمنطقة شبرا، أن خدمة «إخوة الرب» عمل تطوعي يهدف إلى مساندة المحتاجين دون حصول الخدام على أي مقابل مادي، مشيرًا إلى أن الخدمة بدأت عام 1988 بإمكانيات محدودة ثم توسعت تدريجيًا لتشمل أعدادًا أكبر من الأسر.

وأوضح عزيز أن الكنيسة تقدم مساعدات مادية وعينية لنحو 250 أسرة، معظمها لأرامل أو أسر يعجز عائلها عن العمل بسبب المرض أو التقدم في السن، بالإضافة إلى حالات هجر الأزواج وانخفاض الدخل، وتتنوع المساعدات بين الدعم المالي والمواد الغذائية والملابس والأدوات المدرسية بحسب احتياجات كل أسرة.

«التبرعات مصدر الدعم»

وأشار مسئول الخدمة الاجتماعية إلى أن المساعدات تمول من تبرعات أبناء الكنيسة وصناديق التبرعات، إلى جانب دعم بعض الكنائس القادرة للكنائس الأكثر احتياجًا، كما تشمل الخدمات توفير العلاج للحالات المرضية والمساهمة في توفير سكن للأسر التي لا تمتلك مأوى.

«بحث اجتماعي قبل تقديم المساعدة»

وأوضح أن الكنيسة تجري بحثًا اجتماعيًا دقيقًا وزيارات ميدانية للتأكد من استحقاق الأسر للدعم، مؤكدًا أن تقديم المساعدة يتم في إطار من الاحترام والحفاظ على كرامة المستفيدين.

«دعم روحي وفرص عمل»

ولفت مسئول الخدمة، أن الكنيسة تنظم لقاءات روحية ورحلات ترفيهية بأسعار رمزية للمستفيدين، وتحاول توفير فرص عمل للقادرين منهم، مختتما على أن جميع الخدام يؤدون رسالتهم بدافع الخدمة والمحبة دون أي منفعة شخصية.

تم نسخ الرابط