رائد الديب يكتب: طريق شبين القناطر ومزلقان قليوب.. عليهما اللعنة
هناك طرق لا توصلك إلى مكان؛ بل تختبر قدرتك على الاحتمال!!، وهناك طرق يصبح عبورها كل صباح أشبه برحلة طويلة من المعاناة، تبدأ قبل أن تشرق الشمس، ولا تنتهي إلا بعد أن يعود أصحابها إلى بيوتهم منهكين، بعدما استنزف الطريق منهم وقتا وجهدا وأعصابا ربما أكثر ما يستنزفه يوم العمل نفسه؛ هذا هو حال أهالي شبين القناطر.
كل صباح، يخرج عشرات الآلاف من المواطنين وربما المئات من منازلهم متجهين إلى أعمالهم، إلى القاهرة والجيزة والمدن المحيطة، يحملون على أكتافهم مسؤولياتهم وأحلامهم وأرزاق أسرهم، لكنهم قبل أن يصلوا إلى أماكن عملهم يجدون أنفسهم في مواجهة طريق شبين القناطر ـ قليوب؛ طريق لا يبدو في كثير من أجزائه كأنه طريق يصلح للاستخدام الآدمي؛ تكسير، حفر، طريق بأكمله غير ممهدة، أتربة، إضاءة غائبة، حتى علامات وإشارات الطريق غير موجودة، ومظاهر عديدة للإهمال تجعل الرحلة اليومية مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات "حتى الموت" بسبب كثرة الحوادث بسبب سوء الطريق، خاصة في فصل الشتاء الذي بات على الأبواب.
لا يتعلق الأمر هنا برفاهية الطريق أو جماله، نحن نتحدث عن طريق يستخدمه المواطن لكي يصل إلى عمله، وطالب لكي يصل إلى جامعته، ومريض لكي يصل إلى المستشفى، وأهل مركز شبين للتنقل بين القرى من قرية إلى أخرى، نحن نتحدث عن حياة ناس، وعندما يكون الطريق سيئا، فإن فاتورة الإهمال لا يدفعها الأسفلت وحده؛ وإنما يدفعها الإنسان.
حوادث متكررة على هذا الطريق تفتح السؤال من جديد، إلى متى يظل المواطن يدفع ثمن سوء حالة الطرق وغياب عناصر السلامة والأمان؟، من شبين القناطر، تبدأ الرحلة، ثم يأتي بداية مزلقان كفر شبين، الذي تحول بالنسبة لكثير من الأهالي إلى موعد يومي مع الانتظار؛ سيارات متكدسة، حركة قطارات، ازدحام، ودقائق تتحول إلى ساعات مع مرور الأيام، والأسوأ مزلقان قرية نوى، حيث يعرف الأهالي معنى آخر للانتظار، هنا لا تقيس الوقت بالدقائق، وإنما بما ضاع من أعمار الناس.. عمر كامل يقضيه أهالي شبين القناطر في الانتظار حتى يستطيعوا المرور من عنق الزجاجة في هذا المزلقان اللعين.
تنتظر السيارات، ينتظر الموظف، ينتظر العامل، ينتظر الطالب، وتنتظر الأسرة التي لديها مشوار عاجل، ينتظر المريض في سيارة الإسعاف التي لا تجد مفر من هذا الطريق البشع بمعنى الكلمة، وبينما يتوقف الطريق ويصبح المرور من محطة نوى ورمادة معركة يومية مع التكدس والزحام.. والسؤال البسيط الذي يطرحه المواطن: "هل أصبح إهدار وقت الإنسان أمرا عاديا إلى هذه الدرجة؟!".
ثم نصل إلى محطة كفر طحا.. محطة تبدو وكأنها خارج حسابات المسؤولين، رغم لأهالي هذه القرية الحق في طريق آمن وممهد وخدمة تليق بهم، حتى الطريق المؤدي من المحطة إلى داخل القرية من ناحية المزلقان لا يخلو من الإهمال، طريق تتناثر فيه الأتربة، وتغيب عنه الصورة التي يفترض أن تكون عليها الطرق المؤدية إلى التجمعات السكنية، حتى الأشجار التي كانت تضفي شيئا من الحياة على المكان تم قطعها بالكامل، فأصبح المشهد أقرب إلى صحراء بلا رمال، مجرد أتربة في كل مكان، تخنق كل من يمر بها.. ألهذا الحد وصلنا، إلى طرق لا تصلح للاستخدام الآدمي، ولو أن مسؤولا يمر من هنا يوميا لكان الطريق سيصبح على النقيض تماما.
تراب يعلو، وتراب يلتصق بالسيارات، وتراب يدخل إلى صدور من يسيرون في المكان وأعينهم، وكأن المواطن لا يكفيه عناء الانتظار والتكدس وسوء الطريق، ليجد نفسه أيضا أمام طريق يختنق فيه من الغبار، ثم نكمل رحلة من كفر طحا ونوى.. ورمادة، ثم الطريق إلى قليوب.. رحلة قصيرة على الخريطة، لكنها طويلة جدا في حياة من يقطعها كل يوم.. قد لا يدرك من يجلس في مكتبه كم دقيقة يقضيها الموظف في الانتظار، ولا كم ساعة تضيع من عمر العامل أسبوعيا، ولا كم مرة يصل فيها المواطن إلى عمله مرهقا قبل أن يبدأ يومه، لكن أهالي شبين القناطر يعرفون، يعرفون الطريق حفرة حفرة، ويعرفون المزلقان إشارة إشارة، ويعرفون الوقت الذي ضاع من حياتهم في هذا الطريق دقيقة دقيقة وساعة ساعة، ولذلك فإن السؤال اليوم ليس فقط: أين الرصف؟!، السؤال الأكبر: أين منظومة السلامة؟، أين الإنارة؟، أين العلامات والإشارات المرورية؟، أين أعمال الصيانة؟، أين الحلول الهندسية للمزلقانات؟! التي تضيع أعمار المواطنين بها، أين التخطيط الذي يمنع التكدس؟، وأين التنسيق بين وزارة النقل والمحافظة والمحليات والجهات المعنية حتى يصبح هذا الطريق آمنا لمن يستخدمه يوميا؟، شبين القناطر ليست جزيرة معزولة، وليست بعيدة عن القاهرة إلى الحد الذي يجعل مشاكلها غير مرئية.
شبين القناطر، يا سادة، هي جزء من شبكة الحركة التي تربط الوجه البحري بالقاهرة، ويعبر من خلالها ملايين المواطنين الذين يعملون وينتجون ويساهمون في بناء هذا الوطن، هؤلاء الناس لا يطلبون المستحيل، لا يطلبون قصورا ولا طرقا من ذهب، هم يريدون طريقا آمنا، مزلقانا لا يتحولان إلى سجن مؤقت كل صباح وكل مساء، ينتظرون أمام كل مزلقان، أضعاف أضعاف ما يستغرقه الطريق للعمل، يريدون أن تحظى محطات ركوبهم بالاهتمام؛ إنارة تمنع الظلام، علامات تحذر من الخطر، رصف يحفظ السيارات وأرواح أصحابها، وحلولا حقيقية للتكدس والانتظار.
لقد اعتاد أهالي شبين القناطر أن يناشدوا، وأن يشرحوا معاناتهم، وهنا نطرح السؤال بكل وضوح: من يشعر بهذا المواطن الكادح المستمر في السعي والمناشدات ولا من مجيب؟!، من يشعر بمن يخرج من بيته قبل ساعات من موعد عمله حتى يضمن ألا يأكله الطريق؟، من يشعر بالعامل الذي يريد فقط أن يصل إلى عمله دون تأخير ويعود إلى أسرته وهو لا يشعر أن الطريق عبئا أكثر من العمل نفسه؟، من يشعر بالأم التي تخشى على أبنائها وهم يعبرون هذه الطرق والمزلقانات؟، ومن يشعر بمن يضيع جزءا من عمره يوميا في طابور من السيارات لا يعرف متى ينتهي؟!
إن الطريق ليس مجرد أسفلت، الطريق وقت، والوقت حياة، والطريق أمان، والأمان حق لكل مواطن، هذا ما وعدنا به سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، الأمان والحياة الكريمة لكل مواطن، ولذلك فإن أهالي شبين القناطر يوجهون مناشدتهم إلى كل مسؤول قادر على التحرك، وإلى وزارة النقل، والمحافظة، والمحليات، وكل الجهات المعنية، بأن ينظروا إلى هذا طريق شبين القناطر قليوب بعين المواطن، لا بعين الخريطة، وأن ينظروا للمواطن بعين رئيس الجمهورية الأب الحنون لترحموا المواطن من طوابير السيارات، من ساعات الانتظار، ومن عمر يضيع في الطريق، يضيع معه الكثير.
فنحن أهالي شبين القناطر جميعا نرفع هذه المناشدة إلى السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، أملا في أن يصل صوت أبناء شبين القناطر إلى من يستطيع أن يضع حدا لهذه المعاناة، وأن تتحول صرخات الأهالي إلى تحرك حقيقي على الأرض.. فنحن لا نطلب إلا حقا بسيطا؛ أن نذهب إلى أعمالنا ونعود إلى بيوتنا آمنين، نحن نعمل، ننتج، نبني، ونريد أن نبني هذا الوطن بسواعدنا جميعا، لكن من حق اليد التي تبني أن تجد طريقا آمنا تسير فيه، ومن حق المواطن الذي يدفع من عمره كل يوم أن يجد من يسمعه.. ومن حق شبين القناطر أن تحصل على نصيبها من الاهتمام، فهل آن الأوان أن ينتهي طريق المعاناة؟!، وهل آن الأوان أن يصبح طريق شبين القناطر ـ قليوب طريقا للحياة.. لا طريقا لاختبار صبر الناس؟