رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

عقوبات مشددة وصلاحيات استثنائية.. كيف يحاصر قانون التموين مافيا الاحتكار والغش؟

أرشيفية
أرشيفية

في الوقت الذي تكثف فيه الدولة جهودها لإحكام الرقابة على الأسواق وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي، يبرز التشريع التمويني باعتباره أحد أهم الأطر القانونية لحماية احتياجات المواطنين وضمان وصول السلع الاستراتيجية إليهم بصورة عادلة، في ظل تشديد الرقابة على الممارسات التي من شأنها الإضرار بالسوق أو التلاعب بالأسعار والمواصفات.

ولم تعد مخالفات الغش أو التلاعب في السلع التموينية مجرد مخالفات إدارية تقتصر مواجهتها على الغرامات المالية، وإنما باتت بعض الممارسات، وعلى رأسها الاحتكار وتغيير المواصفات والعبث بالسلع المدعمة أو المسعرة جبريًا، أفعالًا تستوجب عقوبات قانونية رادعة، باعتبار أن تداعياتها لا تتوقف عند حدود النشاط التجاري، وإنما تمتد إلى الأمن الغذائي واستقرار الأسواق.

عقوبات رادعة لخلط السلع وتغيير مواصفاتها

تواجه التشريعات الوطنية محاولات الغش والتلاعب في المواد الغذائية والسلع التموينية المسعرة بحزم، حيث تنص المادة (3 ب) من قانون التموين على تشديد العقوبات بحق كل من يقوم بخلط المواد التموينية المسعرة جبريًا أو المحدد ربحها بمواد أخرى، أو يعمد إلى تغيير مواصفاتها الأصلية ثم طرحها للتداول.

وتصل العقوبة في هذه الحالات إلى الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، إلى جانب الغرامة المالية المقررة قانونًا، بما يعكس اتجاه المشرّع إلى تشديد الردع تجاه الممارسات التي تستهدف تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين، أو تؤثر على جودة السلع المتداولة في الأسواق.

وتستهدف هذه النصوص إحكام السيطرة على عمليات التلاعب بالسلع التموينية، ومنع تغيير طبيعتها أو مواصفاتها المعتمدة، بما يضمن الحفاظ على جودة المواد التموينية وحماية المستهلك من المنتجات المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات.

صلاحيات استثنائية لضبط الأسواق وسلاسل الإمداد

وفي إطار مواجهة أي اضطرابات قد تهدد انتظام إمدادات السلع الأساسية، لم يقتصر القانون على وضع عقوبات لاحقة للمخالفات، وإنما منح وزارة التموين واللجنة العليا للتموين، بموجب المادة (1)، صلاحيات واسعة لاتخاذ مجموعة من التدابير الاستثنائية اللازمة لضمان تموين البلاد.

وتشمل هذه الصلاحيات فرض قيود على إنتاج وتداول بعض السلع، وتحديد الحد الأقصى للكميات التي يمكن التعامل عليها في الصفقات التموينية، فضلًا عن اتخاذ إجراءات مباشرة تجاه وسائل النقل أو المصانع أو المحال التي تُستخدم في تقليل المعروض من السلع أو التلاعب بحركة الأسواق.

كما تتضمن المنظومة القانونية إمكانية إلغاء العقود السابقة التي تتعارض مع القرارات الاستثنائية الصادرة في هذا الإطار، بما يمنع استخدام التعاقدات التجارية كوسيلة للالتفاف على الإجراءات التي تتخذها الدولة لحماية انتظام الأسواق وتأمين احتياجات المواطنين.

رقابة مشددة على تداول الحبوب الاستراتيجية

وتشمل المنظومة الرقابية كذلك إحكام السيطرة على حركة الحبوب والسلع الزراعية الاستراتيجية، حيث تحظر المادة (6) على أصحاب المطاحن ومديريها التصرف في أي كميات من القمح أو الشعير أو الأرز أو الذرة دون الحصول على الترخيص المسبق.

ويأتي هذا الإجراء في إطار الحفاظ على السلع الأساسية داخل منظومة تداول خاضعة للرقابة، ومنع تسربها إلى السوق السوداء أو استخدامها في ممارسات تؤدي إلى اضطراب المعروض أو ارتفاع الأسعار بصورة غير مبررة.

كما تستهدف هذه الضوابط ضمان إحكام الرقابة على حركة السلع الاستراتيجية منذ مراحل الإنتاج والتخزين والتداول وحتى وصولها إلى الأسواق، بما يعزز قدرة الجهات المختصة على متابعة الكميات المتاحة والتعامل مع أي محاولات للتلاعب بها.

القانون يوازن بين حرية السوق وحماية الأمن الغذائي

وتعكس هذه الإجراءات التشريعية فلسفة تستهدف تحقيق التوازن بين الحفاظ على مرونة النشاط التجاري وحرية حركة الأسواق من جانب، والتدخل الحاسم عند وجود ممارسات تهدد الأمن الغذائي أو تضر بحقوق المستهلكين من جانب آخر.

ولا تستهدف العقوبات والصلاحيات المقررة قانونًا التضييق على الأنشطة التجارية المشروعة، وإنما تستهدف بالأساس مواجهة صور الاحتكار والغش وخلط السلع والتلاعب بالمواصفات، وخلق حالة من الردع العام تمنع تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب المواطنين.

التفتيش والرقابة.. الضمانة الأساسية لتطبيق القانون

ويبقى تفعيل هذه النصوص مرتبطًا بقدرة الأجهزة المعنية على تنفيذها من خلال حملات التفتيش والرقابة الميدانية، إلى جانب استمرار التنسيق بين مختلف الجهات الرقابية لضبط الأسواق ورصد أي مخالفات بصورة سريعة.

ويمثل تضافر جهود الأجهزة الرقابية عنصرًا أساسيًا لضمان وصول السلع التموينية والاستراتيجية إلى المواطنين بالكميات والمواصفات والأسعار المعتمدة، فضلًا عن مواجهة أي محاولات للتلاعب أو حجب السلع أو تغيير طبيعتها لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

وفي ظل أهمية السلع الأساسية بالنسبة للمواطنين، تظل الرقابة على الأسواق وتطبيق العقوبات المقررة قانونًا من الأدوات الرئيسية التي تستند إليها الدولة للحفاظ على استقرار منظومة الإمداد الغذائي، وحماية القوة الشرائية للمواطن، وضمان وصول السلع الاستراتيجية إلى مستحقيها وفق الضوابط المحددة.

تم نسخ الرابط