رائد الديب يكتب: تفصيل صغير غير صورة ميكافيلي "الأمير"
في إحدى ليالي إيطاليا، قبل أكثر من خمسة قرون، كان التاريخ يكتب فصلا جديدا من فصوله القاسية؛ مدن تتصارع، جيوش تتحرك، حكام يخافون على عروشهم، ومؤامرات تولد في الظلام قبل أن تخرج إلى النور.
كانت إيطاليا يومها ليست دولة واحدة، وإنما مدنا وإمارات متفرقة، لكل مدينة حاكم، ولكل حاكم طموح، ولكل طموح أعداء.. فرنسا تتدخل، وإسبانيا تزحف، والقوى المحلية تتصارع، والدولة التي لا تستطيع حماية نفسها، لا يرحمها أحد.
وفي وسط هذا المشهد، وقف رجل يراقب كل شيء، لم يكن جنديا يحمل سيفا، ولا ملكا يجلس على عرش، كان مفكرا ودبلوماسيا اسمه نيكولو ميكافيلي، كان يرى السياسة من الداخل، يسمع وعود الحكام، ثم يرى كيف ينقضونها، يشاهد التحالفات وهي تولد، ثم يراها تنهار أمام أول مصلحة، يرى الحاكم يتحدث عن الفضيلة في النهار، ثم يرسل رجاله في الليل لتنفيذ ما لا يستطيع أن يقوله علنا.
ومع كل مشهد كان سؤال واحد يكبر في رأسه: "هل يمكن أن تحكم الدولة بالأخلاق وحدها، في عالم لا يحكمه الجميع بالأخلاق؟! ".. كان السؤال قاسيا، لكن الإجابة كانت أكثر قسوة.
في زمن ميكافيلي، كان كثير من الفلاسفة يتحدثون عن الحاكم المثالي، والمدينة المثالية، والدولة التي ينبغي أن تكون، أما ميكافيلي فاختار طريقا آخر؛ لم يقل: كيف يجب أن يكون الحاكم؟، بل سأل: كيف يتصرف الحاكم عندما يخاف على دولته من السقوط؟، لم يقل: ماذا يفعل الإنسان الطيب؟، بل سأل: ماذا يفعل الحاكم عندما يكون أمامه خياران، كلاهما سيئ، لكن أحدهما قد ينقذ الدولة؟، وهنا بدأ ميكافيلي يقترب من منطقة لم يكن من السهل الاقتراب منها؛ منطقة تفصل بين الأخلاق والسياسة.. لتخلق كل هذه التساؤلات رجلا رفض أن يجمل السياسة؛ وعلى أثر ذلك جاء "الأمير".
كتب ميكافيلي كتابه الأشهر "الأمير"، لم يكتبه في عالم هادئ، كتبه في إيطاليا الممزقة، التي تحيط بها المؤامرات والحروب والتدخلات الأجنبية، كان ينظر إلى بلاده ويرى دولة ضعيفة تحتاج إلى من ينقذها، ولهذا بدأ يشرح للحاكم كيف يحافظ على سلطته، وكيف يتعامل مع أعدائه، ومتى يستخدم القوة، ومتى يستخدم الحيلة، ومتى يكون صارما، ومتى يكون مرنا؛ ثم أطلق واحدة من أشهر عباراته: "على الحاكم أن يعرف كيف يكون أسدا وثعلبا في الوقت نفسه، أسدا عندما يحتاج إلى القوة، وثعلبا عندما يحتاج إلى الذكاء وتجنب الفخاخ"، لم يكن يقول إن الحاكم يجب أن يكون عنيفا طوال الوقت، بل كان يرى أن القوة مثل الدواء القاسي، لا تستخدم إلا عندما تصبح الدولة مهددة، لكن المشكلة أن الناس لم تتذكر كل هذا؛ تذكروا شيئا واحدا فقط؛" ميكافيلي، الخداع، المكر، القوة، والغاية التي تبرر الوسيلة".. ومن هنا بدأت الأسطورة.. رجل تحول إلى "شيطان".
مرت السنوات.. ثم القرون، وفي كل مرة كان حاكم مستبد يبحث عن مبرر لقسوته، كان يجد في اسم ميكافيلي ملاذا سهلا، كلما كذب سياسي قالوا: هذه ميكافيلية.. كلما تلاعب حاكم بشعبه قالوا: هذا هو فكر ميكافيلي، كلما استخدمت السلطة القوة لقمع خصومها، ظهر اسم "الأمير"؛ وببطء، تحول الرجل من مفكر سياسي إلى تهمة، حتى أصبح من الممكن أن تصف شخصا بأنه "ميكافيلي" دون أن تقرأ سطرا واحدا مما كتب.
وتمر السنوات لكن التاريخ كان يخفي مفاجأة.. فميكافيلي الذي اتهموه بأنه عراب الاستبداد، كان لديه وجه آخر، وجه لا يظهر كثيرا في الكتب المختصرة عنه، الوجه الذي أخفته شهرة "الأمير"، كان ميكافيلي أيضا كاتبا للجمهورية، وفي كتابه "أحاديث عن العشرية الأولى لتيتوس ليفيوس"، ظهر الرجل بصورة مختلفة، هناك تحدث عن أهمية المواطنين؛ عن الحرية، عن القانون، عن المؤسسات، وعن الجمهورية.. بل ذهب إلى أن الشعب يمكن أن يكون أكثر حكمة من الحاكم المستبد.
وتوقف أمام تجربة روما القديمة، فرأى أن قوتها لم تأت فقط من حكامها، وإنما من مواطنيها، ومن مشاركتهم في الحياة العامة، ومن قدرتهم على الدفاع عن حقوقهم.. وهنا تظهر المفارقة التي تجعل قصة ميكافيلي أكثر تعقيدا؛ كيف يمكن للرجل نفسه أن يكتب "الأمير"، ثم يكتب عن الجمهورية والحرية؟!.. الإجابة ربما تكمن في شيء بسيط؛ أننا لا نستطيع أن نفهم كتابا دون أن نفهم الزمن الذي ولد فيه.. ففي وقت كتابة الأمير كانت إيطاليا كانت تنزف، لم تكن دولة موحدة، كانت أرضا مفتوحة للصراع، دويلات تتنافس، قوى أجنبية تتدخل، وحكام يخشون بعضهم بعضا.. وفي هذا العالم، كان ميكافيلي يرى أن بلاده تحتاج أولا إلى رجل قوي يوقف الانهيار ويضع حدا للفوضى؛ ولهذا كتب "الأمير"، وأهداه إلى أسرة ميديتشي _ وهي واحدة من أشهر وأقوى العائلات في تاريخ أوروبا، حيث حكمت مدينة فلورنسا وإقليم توسكانا في إيطاليا لعدة قرون (من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر)، ولعبت الدور الأكبر في تمويل وإطلاق عصر النهضة الأوروبية.
لم يقدم ميكافيلي، في قراءته للظروف، دستورا أبديا للاستبداد، كان يبحث عن طريقة لإنقاذ دولة تكاد تضيع، كان يرى أن الحاكم القوي يمكن أن يكون مرحلة.. لكن الدولة يجب أن تكون هي النهاية، والاستقرار لا يمكن أن يبقى قائما على رجل واحد إلى الأبد.. فبعد أن تنتهي الفوضى، لا بد من القانون، ولا بد من المؤسسات، ولا بد من الجمهورية، وهنا تحديدا وقع سوء الفهم التاريخي.. أخذ العالم "الأمير".. وترك بقية الحكاية.
وبينما كان ميكافيلي يراقب سقوط الدول وصعودها في أوروبا، كان مفكر عربي قد سبقه بقرون يطرح أفكارا تقترب من ذلك العالم، ابن خلدون، الذي التقى به ميكافيلي عبر الزمن، لم يلتقيا على أرض الواقع، لكن أفكارهما التقت في نقطة مهمة؛ الدولة ليست كائنا خالدا، إنها تولد، ثم تقوى، ثم تبدأ في الضعف، ثم تسقط إذا فقدت أسباب بقائها.
فابن خلدون درس العصبية والقوة والعمران وسقوط الدول، ودرس ميکافيلي القوة والمؤسسات والصراع والحكم، وكلاهما لم يكتفيا بسؤال: كيف ينبغي أن تكون الدولة؟؛ بل حاولا الإجابة عن سؤال أكثر واقعية: لماذا تصعد الدول؟، ولماذا تسقط؟، فابن خلدون وميكافيلي رجلان كانا من أوائل من اقتربوا من السياسة بعين واقعية، لا بعين حالمة.
وهنا تأتي مفاجأ "الغاية تبرر الوسيلة".. جملة شهيرة نسبت لميكافيلي، لكنه لم يكتب هذه الجملة الشهيرة بهذه الصيغة، نعم هو تحدث عن أن الناس كثيرا ما يحكمون على الحكام من خلال النتائج التي يصلون إليها، لكن هذا شيء مختلف تماما عن القول إن كل وسيلة تصبح أخلاقية لمجرد أنها تحقق الغاية، الفرق كبير، أن تصف الواقع شيء..
وأن تمنحه شهادة أخلاقية شيء آخر.. فميکافيلي كان في كثير من الأحيان يصف ما يحدث في عالم السياسة، لا يقول إن كل ما يحدث فيه جميل أو صالح.. وهذا التفصيل الصغير كان كافيا ليغير صورة الرجل كلها.
ومن السياسة إلى علم النفس، لتصبح "الميكافيلية" واحدة من السمات التي تشكل ما يعرف بـ"الثالوث المظلم" للشخصية، إلى جانب النرجسية والسيكوباتية.. وصار الشخص الميكافيلي هو ذلك الذي يستطيع التلاعب بالآخرين، ويستخدم الكذب والدهاء والصبر والتخطيط للوصول إلى أهدافه، مع اهتمام ضعيف بمشاعر الآخرين، وهنا حدثت مفارقة تاريخية غريبة، رجل حاول أن يفهم كيف يعمل الحكام، أصبح اسمه وصفا لمن يتلاعب بالناس، رجل أراد أن يشرح السياسة، أصبح اسمه نفسه "ميكافيلية".. ربما لم يكن ميكافيلي ملاكا، ولم يكن الشيطان الذي صنعه التاريخ أيضا.. لم يكن قديسا يرفض القوة في كل الأحوال، ولم يكن داعية لاستبداد أبدي، كان رجلا عاش في زمن رأى فيه السياسة بلا أقنعة، رأى أن الدولة قد تسقط إذا كان حاكمها عاجزا، ورأى أن القوة قد تكون ضرورية في لحظة معينة، لكنه رأى أيضا أن الدولة التي تعتمد على القوة وحدها لا يمكن أن تستمر.
القوة تستطيع أن تخيف الناس، لكن القانون هو الذي يجعل الدولة تستمر، والحاكم يستطيع أن يحكم بالخوف، لكن المؤسسات هي التي تبني الدولة.. والرجل القوي قد ينقذ دولة، لكن الشعب هو الذي يمنحها القدرة على البقاء.
وحتى لا نظلم ميكافيلي وننظر إليه أنه شيطان السياسة، دعونا منظر إليه بأنه أول من امتلك الشجاعة لينظر إلى السياسة كما هي، لا نقرأ "الأمير"، فنضع ميكافيلي كله داخله، وننسى الجمهورية، ننسى القانون، ننسى المؤسسات، ننسى دفاعه عن مشاركة المواطنين، وننسى أن الرجل لم يكن يحتفل بقسوة الحكام بقدر ما كان يحاول فهم الأسباب التي تجعل الدول تسقط أو تبقى.. لهذا ربما يكون أكثر وصف إنصافا له: لم يكن شيطان السياسة.. بل شهيد الواقعية، رجل وقف أمام مرآة السياسة، ولم يحاول أن يكسرها لأنها أظهرت وجها قبيحا، نظر إليها طويلا، ورأى الطمع، ورأى الخوف، ورأى الخيانة، ورأى القوة، ورأى البشر كما هم، لا كما نتمنى أن يكونوا.