1.8 مليار دولار وخطة إصلاح.. ماذا قال صندوق النقد عن مصر؟
استعرض أمين ماتي رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، رؤية الصندوق لأداء الاقتصاد المصري بعد الحرب في الشرق الأوسط، وتوقعاته بشأن النمو والتضخم والحساب الجاري والاحتياطيات، إلى جانب الإصلاحات والسياسات الاقتصادية المطلوبة خلال المرحلة المقبلة.
وجاءت تصريحات ماتي خلال مؤتمر صحفي، عقب موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد والمراجعة الثانية لتسهيل الصلابة والاستدامة، بما يتيح لمصر الحصول على نحو 1.8 مليار دولار.
الاقتصاد المصري دخل الحرب من موقف أقوى
وقال ماتي إن الاقتصاد المصري دخل مرحلة الحرب في الشرق الأوسط من موقع اقتصادي كلي أقوى مقارنة بفترات الضغوط السابقة، بعدما سجل النمو خلال النصف الأول من السنة المالية أعلى مستوياته منذ 2021-2022، بالتزامن مع قوة الاحتياطيات الدولية وتراجع التضخم.
وبلغت الاحتياطيات الدولية نحو 69 مليار دولار، بما يعادل 119% من معيار كفاية الاحتياطيات لدى صندوق النقد الدولي، بينما كان التضخم يسير في اتجاه هبوطي قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير.
ورغم الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية وتعطل بعض إمدادات الغاز، يرى صندوق النقد أن مصر نجحت في احتواء تداعيات الحرب، بفضل إجراءات سريعة ومنسقة على صعيد السياسات، ما أبقى أثر الصدمة محدودًا نسبيًا.
وكان سعر الصرف أحد أبرز أدوات امتصاص الصدمة، بحسب ماتي، حيث انخفض بنحو 17% مع خروج تدفقات رأسمالية كبيرة، قبل أن يستعيد جانبًا من قيمته مع عودة التدفقات، بما عكس قدرة السوق على التحرك في الاتجاهين وخفف الضغوط على ميزان المدفوعات.
كما رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 10% و20% بحسب نوع المنتج، بالتوازي مع إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة واحتواء الإنفاق العام.
النمو صمد أمام صدمة الحرب
بلغ نمو الاقتصاد المصري 5.2% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة المالية 2025-2026، بينما يتوقع صندوق النقد أن يسجل 4.6% خلال السنة المالية بالكامل.
وخفض الصندوق توقعاته للنمو بنحو 0.1 نقطة مئوية فقط مقارنة بتقديراته السابقة، وهو ما اعتبره ماتي دليلًا على أن تأثير الحرب على النشاط الاقتصادي خلال السنة المالية الحالية ظل محدودًا، وأن أداء الاقتصاد لا يزال قويًا.
وفي المقابل، يتوقع الصندوق أن يتباطأ نمو الاقتصاد المصري إلى 4.4% خلال السنة المالية 2026-2027، بانخفاض نقطة مئوية كاملة عن توقعاته الأولية.
ويرجع خفض التوقعات إلى استمرار الآثار المتأخرة للحرب، واحتمال تأثر الاستثمار وبعض مكونات الاستهلاك، إلى جانب بقاء تكاليف بعض مدخلات الإنتاج عند مستويات أعلى من التقديرات السابقة.
التضخم والحساب الجاري تحت ضغط الحرب
وكان التضخم في اتجاه هبوطي حتى مارس 2026، قبل أن يرتفع إلى 15.2% عقب اندلاع الحرب، متأثرًا بانخفاض سعر الصرف وتعديلات أسعار الطاقة، إلى جانب بعض تأثيرات سنة الأساس غير المواتية.
وتراجع التضخم لاحقًا إلى 14.3%، فيما ارتفع التضخم الأساسي من 13.8% إلى 14.3%. وبعد التعديل الموسمي، ظل التضخم الأساسي مرتفعًا عند 1.5% على أساس شهري.
ويرى صندوق النقد أن الزيادة الأولية الحادة في الأسعار كانت نتيجة مباشرة لصدمة العرض، وتحديدًا ارتفاع تكاليف الطاقة وتحركات سعر الصرف، وليس بسبب زيادة مفرطة في الطلب المحلي.
ويتوقع الصندوق أن يبلغ متوسط التضخم نحو 16.7%، نتيجة انعكاسات انخفاض سعر الصرف وتعديلات أسعار الطاقة وصدمة العرض، قبل أن يتراجع إلى نحو 13% في وقت لاحق من السنة المالية الحالية.
وبناءً على هذا المسار، يتوقع صندوق النقد أن يحقق البنك المركزي مستهدف التضخم البالغ 7% بزيادة أو نقصان نقطتين مئويتين، لكن بتأخير عام واحد عن الموعد الأصلي، بما يتماشى أيضًا مع توقعات البنك المركزي.
عجز الحساب الجاري يرتفع
رفع صندوق النقد توقعاته لعجز الحساب الجاري خلال السنة المالية 2025-2026 إلى 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.9% في تقديراته السابقة، نتيجة تأثر الميزان التجاري النفطي بتداعيات الحرب.
لكن الأداء القوي لتحويلات المصريين العاملين في الخارج، إلى جانب استقرار إيرادات السياحة، ساعد في الحد من أثر الصدمة على القطاع الخارجي.
وسجلت تحويلات العاملين في الخارج نحو 4 مليارات دولار خلال أبريل، وهو أعلى مستوى شهري على الإطلاق، فيما حافظت إيرادات السياحة على مستوياتها المرتفعة ولم تتأثر بصورة ملموسة بالحرب.
أما إيرادات قناة السويس فبلغت نحو 380 مليون دولار شهريًا، لتظل أقل بكثير من مستوياتها السابقة على 2023، والتي اقتربت من 890 مليون دولار، لكنها واصلت التعافي التدريجي دون أن تتعرض لتأثير مباشر إضافي بسبب الحرب.
وساهمت عقود التحوط على النفط، إلى جانب العقود طويلة الأجل والمستقرة الخاصة بالغاز، في تقليص أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الميزان التجاري.
ويرجح صندوق النقد تراجع عجز الحساب الجاري تدريجيًا إلى نحو 2.58% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط.
ويعتمد هذا التحسن المتوقع على انحسار أثر صدمة أسعار النفط، واستمرار قوة تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة، إلى جانب بدء ظهور آثار الإصلاحات الهيكلية.
الاحتياطيات والأداء المالي
حافظت الاحتياطيات الدولية على قوتها رغم الحرب، وبلغت بنهاية يونيو ما يعادل 119% من معيار كفاية الاحتياطيات لدى صندوق النقد، وهو مستوى وصفه ماتي بأنه مريح للغاية.
ويعكس ذلك، بحسب الصندوق، قدرة مصر على احتواء الضغوط التي تعرض لها ميزان المدفوعات، دون اللجوء إلى تثبيت سعر الصرف أو استنزاف الاحتياطيات.
ويتوقع صندوق النقد بقاء الاحتياطيات الدولية عند مستويات مريحة خلال العام المقبل وعلى المدى المتوسط، مع استمرارها أعلى من 100% من معيار كفاية الاحتياطيات.
وفيما يتعلق بالأداء المالي، حققت مصر جميع الأهداف المحددة حتى نهاية مارس ضمن برنامج صندوق النقد، بل تجاوز بعضها بفارق كبير، وفق ماتي.
وارتفعت الإيرادات الضريبية بما يعادل 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ الفائض الأولي نحو 4.8% من الناتج.
كما تشير بيانات أول 11 شهرًا من السنة المالية إلى أن مستهدفات نهاية يونيو ستتحقق أيضًا، رغم التحديات العالمية والتوترات الإقليمية.
الإصلاحات الهيكلية ودور القطاع الخاص
قال ماتي إن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي واستدامة النمو في مصر لا يعتمد على إصلاح بعينه، وإنما على حزمة متكاملة من السياسات والإصلاحات يجري تنفيذها في الوقت نفسه.
وأوضح أن الإصلاحات الهيكلية تمثل أحد المحاور الرئيسية للبرنامج، وإن وتيرة تنفيذها كانت متفاوتة، رغم تحقيق تقدم ملموس في عدد من الملفات.
وجاء تحديث سياسة ملكية الدولة في مقدمة الخطوات التي رحب بها صندوق النقد، نظرًا لدورها في توجيه السياسات الاقتصادية، وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وضمان تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص.
كما سجلت الحكومة تقدمًا في تحسين بيئة الأعمال، وتطبيق قانون المنافسة، وتبسيط إجراءات الاستثمار والجمارك، وهي إصلاحات يرى الصندوق أنها ضرورية لتحفيز النمو بقيادة القطاع الخاص.
وأكد ماتي أن القطاع الخاص يجب أن يصبح محرك النمو الرئيسي للاقتصاد المصري، وهو ما يستلزم مواصلة جهود تقليص دور الدولة.
وأضاف أن الحكومة تمتلك بالفعل وحدة معنية بالشركات المملوكة للدولة، إلى جانب قانون ينظم هذه الشركات، وسياسة لملكية الدولة، كما يجري إعداد قرار تنفيذي يتضمن تفاصيل تطبيق هذه السياسة، فضلًا عن برنامج التخارج.
التخارج يتقدم بأبطأ من المستهدف
كان برنامج التخارج أحد المحاور الأساسية في المراجعة السابعة، وشهد تنفيذ عدد من الصفقات، من بينها بيع أصول مرتبطة بمحطة جبل الزيت، إلى جانب تخارج وزارة المالية من بعض حصصها في كيانات عامة.
كما استمر العمل على عدد من الطروحات والإدراجات، ضمن برنامج أوسع لإصلاح الشركات المملوكة للدولة وتحديد القطاعات التي ينبغي للحكومة الخروج منها أو الاستمرار فيها.
ورغم تسارع وتيرة التنفيذ، يرى صندوق النقد أنها ما تزال أبطأ من المستهدفات التي وُضعت عند تصميم البرنامج في البداية.
وشدد ماتي على أن جميع هذه الإصلاحات مهمة، لكن تسريع تنفيذها سيكون أكثر أهمية لضمان استمرار النمو الاقتصادي.
السياسة النقدية والانضباط المالي
أوضح ماتي أن مرونة سعر الصرف كانت إحدى الركائز الأساسية للبرنامج، إذ أسهمت في استعادة ثقة المستثمرين وعودة التدفقات الرأسمالية، كما اختفت المشكلات التي كانت تواجه المستثمرين في السابق، مثل تراكم طلبات تحويل الأموال، الأمر الذي عزز الثقة في الاقتصاد.
وأضاف أن مرونة سعر الصرف لعبت دورًا محوريًا في امتصاص الصدمات، فيما يظل استمرار السياسة النقدية المتشددة ضروريًا لخفض التضخم بصورة مستدامة.
وأشار إلى أن استمرار الانضباط المالي يظل ضروريًا أيضًا، في ظل استمرار مواطن الضعف المرتبطة بالدين العام، وهو ما يتطلب خفض احتياجات التمويل الإجمالية.
ودعا صندوق النقد إلى مواصلة ضبط أوضاع المالية العامة من خلال زيادة الإيرادات، وإلغاء بعض الإعفاءات الضريبية، ورفع نسبة الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي وصفها بأنها من بين الأدنى عالميًا.
ويرى الصندوق أن زيادة الإيرادات ستساعد في وضع الدين العام على مسار هبوطي، بالتزامن مع خفض احتياجات التمويل وإطالة آجال استحقاق الدين.
واتخذت الحكومة بالفعل إجراءات لخفض احتياجات التمويل الإجمالية بما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، من خلال إطالة آجال الاستحقاق والإدارة الطوعية للالتزامات وغيرها من الأدوات، وهي جهود شدد ماتي على ضرورة استمرارها.
مخاطر الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة
رصد صندوق النقد الدولي أبرز المخاطر التي تواجه الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة، محذرًا من أن تجدد التوترات الإقليمية قد يضغط على النمو ويرفع معدلات التضخم ويزيد صعوبة الأوضاع المالية.
وقال ماتي إن المخاطر السلبية التي تحيط بآفاق الاقتصاد ما تزال مرتفعة، خاصة في حال عودة التصعيد الإقليمي، بما قد يؤثر على النشاط الاقتصادي ويزيد الضغوط التضخمية العالمية ويؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية.
ومن شأن هذه التطورات، بحسب ماتي، أن تفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة والقطاع الخارجي في مصر، بالتوازي مع المخاطر المحلية المرتبطة بسرعة تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها ضمن برنامج صندوق النقد.
وفي المقابل، يرى الصندوق أن تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية قد يدعم النمو بصورة أقوى من المتوقع، فيما قد يشكل ارتفاع إيرادات قناة السويس عن التقديرات الحالية عاملًا إيجابيًا للاقتصاد.
ويضع الصندوق استمرار السياسة النقدية المتشددة في مقدمة الإجراءات المطلوبة لضمان عودة التضخم بصورة مستدامة إلى مستهدف البنك المركزي.
ويعني ذلك، وفق ماتي، الإبقاء على موقف نقدي حذر إلى أن تتراجع الضغوط الأساسية على الأسعار، وليس فقط الآثار المؤقتة الناتجة عن تحركات سعر الصرف ورفع أسعار الطاقة.
حماية الفئات الأكثر احتياجًا
بالتوازي مع رفع أسعار الوقود وتنفيذ إجراءات الضبط المالي، أكد ماتي ضرورة استمرار برامج التحويلات النقدية الموجهة إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
ويرى صندوق النقد أن حماية الفئات الهشة تمثل عنصرًا أساسيًا لجعل عملية الإصلاح أكثر شمولًا، والحد من أثر ارتفاع الأسعار على الأسر الأقل دخلًا.
وفي هذا السياق، وضع صندوق النقد تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج في صدارة الإصلاحات الهيكلية المطلوبة خلال المرحلة المقبلة.
ويرى أن المضي بحسم في هذا المسار، إلى جانب مواصلة إصلاح بيئة الأعمال، ضروري لتعزيز دور القطاع الخاص، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، وزيادة قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
وأوضح ماتي أن صندوق النقد يستهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، ودعم النمو، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، وضمان توزيع ثمار النمو بصورة أكثر شمولًا.



