إسبانيا في مواجهة التناقض.. خطاب ناري ضد إسرائيل وتعاون مستمر خلف الأبواب|تقرير
برزت إسبانيا خلال الحرب على غزة كواحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقادًا لـ إسرائيل، في وقت التزمت فيه حكومات غربية عديدة الصمت أو اتخذت مواقف أقل حدة.
ورغم المواقف العلنية القوية التي تبنتها حكومة رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، فإن تقارير عدة تشير إلى استمرار بعض أشكال التعاون العسكري والتجاري مع إسرائيل، ما فتح باب الانتقادات حول مدى قدرة مدريد على تنفيذ تعهداتها.

سانشيز يقود تحركات لوقف التعاون العسكري مع إسرائيل
دعا رئيس الوزراء الإسباني إلى اتخاذ خطوات دولية لوقف تجارة الأسلحة مع إسرائيل، من بينها الضغط لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
كما أصبحت إسبانيا الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي استدعت سفيرها رسميًا، وأعلنت في أكتوبر 2023 وقف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل.
استمرار واردات عسكرية رغم إعلان الحظر
رغم إعلان وقف مبيعات الأسلحة، أفاد تقرير صادر عن مركز ديلاس لدراسات السلام في برشلونة، بأن الواردات العسكرية من إسرائيل استمرت بعد أكتوبر 2023، حيث بلغت قيمتها نحو 36.7 مليون يورو بحلول فبراير 2025، ضمن فئات الأسلحة والذخائر والدبابات والمركبات القتالية المدرعة.
وأشار التقرير إلى أن إسبانيا لم تستورد من المعدات العسكرية الإسرائيلية كمية أكبر مما استوردته بعد 7 أكتوبر 2023.

قانون جديد لحظر الأسلحة.. خطوة قوية أم إجراء محدود؟
في 23 سبتمبر 2025، وافقت حكومة سانشيز على قانون يفرض حظرًا على الأسلحة الموجهة إلى إسرائيل، إضافة إلى منع الواردات من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقالت إيرين دي برادا، أستاذة القانون الدولي وعضوة منظمة "محامون من أجل فلسطين"، إن الأمر يمثل انتقالًا من مجرد وقف تراخيص جديدة إلى وضع إطار قانوني عام للحظر.
واعتبرت أن العقود السابقة والاستثناءات والثغرات القانونية تقلل من قوة القرار، مشيرة إلى أن الحكومة الإسبانية تبعث برسائل قوية على المستوى السياسي، بينما تسمح بعض الإجراءات العملية باستمرار التعاملات.
عقود قائمة واستثناءات تفتح الباب أمام استمرار التعاون
يعتمد النظام القانوني الإسباني على المراسيم الملكية كإجراءات تشريعية طارئة لمعالجة الحالات الاستثنائية، وقد نص المرسوم الملكي رقم 10/2025 على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع نقل المواد الدفاعية والمواد ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن استخدامها ضد المدنيين في غزة.
ويرى الباحث أليخاندرو بوزو من مركز ديلاس لدراسات السلام، أن مجرد إقرار الحظر يمثل خطوة مهمة وسابقة سياسية، لكنه أشار إلى أن العقود التي تم توقيعها مسبقًا لم تُلغَ، كما أن القانون يسمح باستثناءات في بعض الحالات.
استثناءات بعد الحظر.. ومعدات إسرائيلية داخل مشاريع إسبانية
بعد ثلاثة أشهر فقط من إقرار القانون، وافقت الحكومة الإسبانية على نقل مواد دفاعية ومواد ذات استخدام مزدوج مرتبطة بأربعة مشاريع طيران تقودها شركة إيرباص، بحجة أهمية هذه المشاريع صناعيًا وتصديريًا.
وشملت هذه المشاريع نظام حماية مضاد للصواريخ من إنتاج شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية للصناعات الدفاعية.
وأوضح بوزو أن ما تحتاجه إسرائيل ليس بالضرورة الأسلحة القادمة من إسبانيا، بل الأسواق التي تجعل شراء المعدات أقل تكلفة وتساهم في استمرار منظومة الاحتلال العسكرية.
ثغرات أوروبية تسمح باستمرار تدفق المعدات
وأشار الباحث إلى أن إسبانيا تستطيع قانونيًا استيراد وتصدير معدات دفاعية عبر دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، كما يمكنها شراء معدات من شركات إسرائيلية مقرها داخل الاتحاد.
وأوضح أن القانون لا يغطي جميع عمليات الاستحواذ والبيع، رغم أن جزءًا كبيرًا من المعدات الإسرائيلية في إسبانيا يتم إنتاجه عبر شركات إسرائيلية أو فروع إسبانية لشركات إسرائيلية أو شركات محلية تعمل بترخيص من مصنعين إسرائيليين.
ودعا إلى استهداف التمويلات التي تصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية، معتبرًا أن العقوبات يجب أن تكون شاملة على غرار العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا.
إسبانيا ليست وحدها.. كولومبيا وجنوب إفريقيا تواجهان المعضلة نفسها
لا تقتصر هذه الإشكالية على إسبانيا، إذ تواجه دول أخرى أعلنت مواقف معارضة لإسرائيل تحديات مشابهة، من بينها كولومبيا وجنوب إفريقيا، فبعد دخول الحظر الكولومبي على صادرات الفحم إلى إسرائيل حيز التنفيذ في أغسطس 2025، أصبحت جنوب إفريقيا موردًا رئيسيًا للفحم لإسرائيل، رغم كونها من أبرز الدول التي قادت تحركات قانونية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
جنوب إفريقيا بين الالتزامات الدولية والمصالح الاقتصادية
قال وزير التجارة الجنوب أفريقي باركس تاو، إن فرض عقوبات على إسرائيل دون قرار أممي متعدد الأطراف، قد يتعارض مع مبدأ عدم التمييز في منظمة التجارة العالمية.
لكن البروفيسور باتريك بوند، مدير مركز التغيير الاجتماعي بجامعة جوهانسبرج، اعتبر أن هذا التفسير غير دقيق، مشيرًا إلى قرار محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي أكد ضرورة إنهاء الدول لأي مساهمة في دعم الاحتلال غير القانوني.
وأوضح أن جنوب إفريقيا لديها القدرة على وقف صادرات الفحم فورًا عبر تصنيفها ضمن "الصادرات الخطرة"، دون الحاجة إلى قوانين جديدة.
كولومبيا.. خطوات للابتعاد عن السلاح الإسرائيلي بانتقال طويل
في كولومبيا، أعلن الرئيس جوستافو بيترو عام 2024 وقف شراء الأسلحة الإسرائيلية وتقليص التعاون العسكري، إلا أن وزير الدفاع، إيفان فيلاسكيز، أكد أمام الكونجرس استمرار تنفيذ العقود القائمة، ومنها صيانة طائرات كفير المقاتلة الإسرائيلية.
كما لا تزال القوات المسلحة الكولومبية تعتمد على بندقية غليل الإسرائيلية الصنع، التي استخدمت تاريخيًا في عمليات عسكرية داخل فلسطين ولبنان، وكذلك خلال النزاع الداخلي الكولومبي.
وفي محاولة لإنهاء هذا الارتباط، وقعت كولومبيا عقدًا مع شركة "ساب" السويدية بقيمة 3.1 مليار يورو لشراء 17 طائرة مقاتلة من طراز جريبن إي/إف، على أن يتم تسليمها بين عامي 2026 و2032.
كما أعلنت الحكومة الكولومبية عن بندقية محلية الصنع بهدف استبدال بنادق غليل، إلا أن عملية الانتقال قد تستغرق نحو خمس سنوات.
مستقبل سياسة العزلة.. هل تصمد أمام تغير الحكومات؟
يرى مراقبون، أن السياسات المناهضة لإسرائيل في إسبانيا وكولومبيا قد تواجه خطر التراجع مع تغير الحكومات.
وفي كولومبيا، أعلن الرئيس المنتخب، أبيلاردو دي لا إسبريلا، رغبته في تعزيز التعاون مع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية بعد توليه منصبه، كما أن موقفه من قطاع الفحم قد يهدد استمرار الحظر الذي أقره بيترو بمرسوم رئاسي.
أما في إسبانيا، فتتمتع إجراءات الحظر بصفة قانونية أقوى، لكنها قد تكون عرضة للتعديل أو الإلغاء من قبل حكومة مستقبلية تمتلك أغلبية برلمانية.
اليمين الإسباني يرفض سياسة سانشيز تجاه غزة
عارض حزب الشعب وحزب فوكس اليمينيان، نهج حكومة سانشيز تجاه غزة، وصوتا ضد المرسوم والقانون الخاص بالحظر في أكتوبر.
وأكد حزب فوكس دعمه لما وصفه بحق إسرائيل في الدفاع عن النفس، واتهم الحكومة الإسبانية باستخدام الملف الفلسطيني للتغطية على قضايا داخلية.
من الرمزية إلى الإجراءات الحقيقية.. التحدي الأكبر
يرى خبراء أن استمرار سياسة العزلة تجاه إسرائيل يحتاج إلى خطوات أكثر صرامة تتجاوز التصريحات السياسية، وصولًا إلى إجراءات طويلة الأمد تمنع التعاون وتضمن الرقابة والشفافية.
وبينما تواصل بعض الحكومات إعلان مواقف قوية ضد إسرائيل، يبقى الفارق واضحًا بين الخطاب السياسي والإجراءات العملية على الأرض.




