من البحر إلى التمكين.. الدروس الخفية في قصة عاشوراء كما يرويها القرآن
يأتي يوم عاشوراء كل عام حاملاً معه معاني إيمانية عميقة تتجاوز حدود كونه مناسبة تاريخية ارتبطت بإنجاء الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون وجنوده، ليصبح محطة إيمانية متجددة تدعو المسلمين إلى التأمل في معاني اليقين والثقة بالله والثبات أمام المحن والشدائد.
فهذا اليوم المبارك لا يروي فقط قصة نجاة أمة من الظلم والاستبداد، بل يقدم نموذجًا قرآنيًا متكاملًا يكشف طبيعة النفس البشرية في أوقات الأزمات والانتصارات، ويبرز كيف تتجلى معادن الناس الحقيقية عندما تتبدل الأحوال وتتغير الظروف.
يحمل يوم عاشوراء رسالة خالدة تؤكد أن الظلم مهما طال أمده لا يمكن أن يدوم، وأن نصر الله للمستضعفين وعد إلهي يتحقق في الوقت الذي يقدره سبحانه وتعالى.
وتتجسد هذه الحقيقة بوضوح في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون، ذلك الحاكم المتجبر الذي طغى في الأرض وأفسد فيها، وظن أن قوته وسلطانه قادران على قهر الحق وإخماد نور الإيمان.
لكن إرادة الله كانت أقوى من كل مظاهر القوة البشرية، فجاء يوم عاشوراء ليشهد نهاية واحدة من أكبر صور الطغيان في التاريخ، وليؤكد أن الله سبحانه وتعالى قادر على تحويل الضعف إلى قوة، والخوف إلى أمن، والاستضعاف إلى تمكين.
وفي هذا السياق، أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن يوم عاشوراء يمثل نموذجًا قرآنيًا فريدًا لاختبار القلوب وكشف حقائق النفوس، موضحًا أن هذا اليوم لا يقتصر على كونه ذكرى تاريخية، بل يحمل دروسًا تربوية وإيمانية عميقة يحتاجها الإنسان في كل زمان ومكان.
وأشار إلى أن قصة موسى عليه السلام مع فرعون تقدم صورة واضحة لمعاني الثقة بالله والتوكل عليه، كما تكشف الفارق بين من ينظر إلى الأسباب المادية وحدها، ومن يوقن بأن الله سبحانه وتعالى فوق كل الأسباب وقادر على تغيير الموازين في لحظة واحدة.
وأوضح الجندي أن يوم عاشوراء شهد واحدة من أعظم صور انتصار الحق على الباطل في التاريخ الإنساني، حيث أنجى الله موسى عليه السلام ومن آمن معه، وأهلك فرعون وجنوده بعدما بلغ طغيانهم مداه.
وأضاف أن هذه القصة القرآنية العظيمة تؤكد أن الله سبحانه وتعالى لا يترك عباده المؤمنين مهما اشتدت المحن، وأن الفرج قد يأتي في اللحظات التي يظن فيها الإنسان أن الأبواب كلها قد أُغلقت.
وأكد أن ما حدث لبني إسرائيل يمثل نموذجًا عمليًا لقدرة الله على تبديل الأحوال، حيث انتقلوا من سنوات طويلة من القهر والاضطهاد والاستعباد إلى مرحلة جديدة من الحرية والنجاة والتمكين.
واستشهد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بقول الله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها﴾، موضحًا أن هذه الآية تكشف حجم التحول الذي صنعه الله لبني إسرائيل.
فبعد عقود طويلة من الذل والاستضعاف تحت حكم فرعون، جاءت لحظة التغيير التي لم تكن تخطر على بال أحد، لينتقل المستضعفون إلى موقع القوة، ويصبحوا ورثة للأرض التي كانوا محرومين من خيراتها.
وأشار إلى أن هذه الآية تحمل رسالة أمل لكل المظلومين في مختلف الأزمنة، مفادها أن الظلم ليس قدرًا دائمًا، وأن الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان.
وتوقف الجندي عند واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في قصة موسى عليه السلام، وهي اللحظة التي وجد فيها بنو إسرائيل أنفسهم محاصرين بين البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم.
ففي تلك اللحظة الحرجة قال بنو إسرائيل: ﴿إنا لمدركون﴾، معبرين عن حالة الخوف واليأس التي سيطرت عليهم بعدما ظنوا أن النهاية أصبحت حتمية.
لكن نبي الله موسى عليه السلام رد بكلمات خالدة أصبحت درسًا للبشرية كلها في الثقة بالله، فقال: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾.
وأوضح الجندي أن الفرق بين الموقفين لم يكن في الظروف أو المعطيات المحيطة، فالجميع كانوا يشاهدون المشهد نفسه، لكن الاختلاف الحقيقي كان في مقدار الإيمان واليقين الموجود داخل القلوب.
وأشار الشيخ خالد الجندي إلى أن القرآن الكريم يكشف جانبًا بالغ الأهمية من طبيعة النفس البشرية، وهو أن المحن قد تخفي بعض العيوب والاختلالات الداخلية، بينما تظهر هذه العيوب بوضوح بعد زوال الأزمات.
واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم﴾.
وأوضح أن هذه الآية تكشف أن بعض الانحرافات الفكرية والعقدية التي كانت كامنة داخل النفوس ظهرت بعد النجاة مباشرة، عندما انتهت حالة الخوف وزالت الضغوط التي كانت تفرضها ظروف الاستضعاف.
وأكد أن هذا المشهد يقدم درسًا بالغ الأهمية، وهو أن النجاح والفرج قد يكونان اختبارًا أصعب من الشدة نفسها، لأن الإنسان قد يصبر على البلاء، لكنه قد يعجز عن الثبات بعد النعمة.
وبيّن الجندي أن القرآن الكريم لم يركز على إظهار انحرافات بني إسرائيل خلال فترة استضعافهم تحت حكم فرعون، لأن ظروف القهر كانت تخفي كثيرًا من المشكلات الكامنة داخل النفوس.
لكن بعد تحقق النجاة وانتهاء المحنة بدأت تلك الجوانب تظهر بصورة واضحة، وهو ما يؤكد أن اختبار الإنسان الحقيقي لا يكون فقط في أوقات الشدة، بل يمتد أيضًا إلى أوقات الرخاء والتمكين.
وأضاف أن كثيرًا من الناس يظنون أن النجاح هو نهاية الاختبار، بينما تؤكد القصص القرآنية أن النجاح قد يكون بداية امتحان جديد يكشف حقيقة الثبات على المبادئ والقيم.
وشدد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية على أن الدرس الأهم في عاشوراء لا يتمثل فقط في حدث النجاة التاريخي، بل في الرسائل الإيمانية العميقة التي يحملها هذا اليوم لكل إنسان.
اقرأ أيضاً.. مصر تواصل دعمها الإنساني.. الهلال الأحمر يستقبل الدفعة الـ56 من المصابين الفلسطينيين

