رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

أسماء أبو شادي تكتب: حين يختفي الوعي.. وتتصدر التفاهة المشهد

الكاتبة الصحفية أسماء
الكاتبة الصحفية أسماء أبو شادي

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه ملامح الحياة بشكل غير مسبوق، يبدو أن هناك شيئًا أكثر خطورة يتسرب بهدوء إلى المجتمع، وهو غياب الوعي الحقيقي وتراجع الثقافة لصالح مظاهر سطحية أصبحت تفرض نفسها بقوة على المشهد العام.

حين يختفي الوعي.. وتتصدر التفاهة المشهد

لم يعد من الصعب ملاحظة كيف تغيرت اهتمامات شريحة واسعة من الناس، وكيف أصبح المحتوى الترفيهي السطحي والجدل غير المفيد يتصدر المشهد، بينما تتراجع القضايا الفكرية والثقافية والتعليمية إلى الخلف.

 أصبحنا أمام حالة من الانجراف الجماعي نحو ما هو سريع، خفيف، ومجرد من العمق، حتى وإن كان بلا قيمة حقيقية.

المشكلة لا تكمن في وجود الترفيه بحد ذاته، فالمجتمعات تحتاج إلى الترفيه بطبيعة الحال، لكن الخطر الحقيقي يظهر عندما يتحول هذا الترفيه إلى نمط حياة، وعندما يصبح هو المعيار الأول للاهتمام والتفاعل، بينما يتم تجاهل العلم والثقافة والمعرفة وكأنها لم تعد ضرورية.

الأخطر من ذلك أن غياب الوعي لا يقتصر على المحتوى فقط، بل يمتد إلى طريقة التفكير والتعامل مع القضايا اليومية، فنجد انتشار الأحكام السريعة، والانجراف وراء الشائعات، وتقدير الأمور بناءً على الشهرة لا القيمة.

 وهنا تتشكل فجوة حقيقية بين مجتمع يملك أدوات المعرفة، لكنه لا يستخدمها بالشكل الصحيح.

إن الانحياز للتفاهة ليس مجرد خيار فردي، بل هو انعكاس لواقع أوسع يشترك فيه الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، ونظام القيم الذي يتغير تدريجيًا دون أن نشعر. 

ومع الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو مهم وما هو هامشي، وبين ما يبني العقل وما يستهلكه.

وربما السؤال الأهم اليوم ليس: لماذا تنتشر التفاهة؟ بل لماذا لم يعد الوعي جذابًا كما كان؟ ولماذا أصبح المحتوى العميق أقل قدرة على الوصول والتأثير؟

إن استعادة التوازن الثقافي داخل المجتمع ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالتعليم، ولا تنتهي عند الإعلام وصناعة المحتوى. فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الثقافية، يصبح أكثر عرضة للسطحية، مهما امتلك من أدوات التكنولوجيا والتطور.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة أن المجتمعات لا تنهض بالضجيج، بل بالوعي، ولا تتقدم بالانتشار السريع، بل بالفكر العميق. وبين هذا وذاك، نحن من نختار أي طريق نسير فيه.

تم نسخ الرابط