سعاد عسيري: الشخصية الروائية كائن حي يتمرد على كاتبه
أكدت الكاتبة والفنانة التشكيلية سعاد عسيري أن الشخصية الروائية الحقيقية ليست مجرد بناء فني أو مجموعة من الصفات المرسومة على الورق، بل كائن حي يحمل وعياً خاصاً به، وقد يتمرد على كاتبه ويقوده إلى مسارات جديدة لم تكن ضمن خطته الأولى، مشيرة إلى أن سر نجاح الشخصية الأدبية يكمن في عمقها الإنساني وقدرتها على ملامسة مشاعر القارئ والتعبير عن مخاوفه وتناقضاته.
وقالت عسيري، إن الشخصية الروائية تبدأ في كثير من الأحيان بالتحرر من سيطرة الكاتب بعد فترة قصيرة من الشروع في الكتابة، موضحة أن تطور الأحداث وتفاعل الشخصيات داخل العمل الأدبي يفرضان أحياناً مسارات جديدة لم تكن مطروحة عند وضع الخطوط الأولى للرواية.
وأوضحت أن بناء الشخصية الدرامية يتطلب الغوص في أعماقها النفسية والبحث عن ما وصفته بـ«الجرح الروحي» الذي يشكل ماضيها ويؤثر في حاضرها، مؤكدة أن الكاتب المتمكن لا يكتفي بإخبار القارئ بما تشعر به الشخصية، بل يجعله يكتشف ذلك من خلال أفعالها وقراراتها وصراعاتها الداخلية.

وأضافت أن البعد النفسي للشخصية يعد الأكثر استهلاكاً للجهد أثناء عملية الكتابة، لأنه المسؤول عن تشكيل سلوك الشخصية وتفاعلها مع الأحداث، وهو ما يدفعها إلى الاستعانة بالمراجع النفسية والدراسات المتخصصة لضمان بناء شخصيات متماسكة ومقنعة، مشيرة إلى أن هذا البعد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة الاجتماعية والطبقية التي تنتمي إليها الشخصية.
وحول تطور صورة البطل في الرواية الحديثة، أكدت عسيري أن القارئ المعاصر لم يعد يبحث عن البطل المثالي الخالي من العيوب، كما كان الحال في الأعمال الكلاسيكية، وإنما بات يميل إلى الشخصيات الإنسانية التي تشبهه في نقاط ضعفها وترددها وأخطائها، موضحة أن ما يعرف بـ«البطل الرمادي» أو «البطل الضد» أصبح أكثر قدرة على جذب القارئ وإثارة تعاطفه.
وأشارت إلى أن القارئ يبحث عن شخصية يراها قريبة من حياته وتجربته الإنسانية، ويتفاعل معها في لحظات القوة والانكسار على حد سواء، مؤكدة أن الشخصية المؤثرة هي تلك التي تبدو صادقة وقادرة على ترك أثر نفسي وفكري طويل الأمد لدى المتلقي.

وأكدت عسيري أن الكاتب الحقيقي لا يتعامل مع شخصياته بوصفها أدوات جامدة يحركها كيف يشاء، بل يمنحها قدراً من الحرية يجعلها قادرة على التفاعل مع الأحداث واتخاذ قراراتها الخاصة داخل النص، لافتة إلى أن هذه الحرية هي التي تمنح الشخصية مصداقيتها وقدرتها على تجاوز حدود الصفحات لتعيش في ذاكرة القراء.
وعن طموحاتها الأدبية، قالت إنها تتمنى أن تظل الشخصيات التي تبتكرها حاضرة في وجدان القراء بعد الانتهاء من قراءة أعمالها، وأن تتحول إلى شخصيات حية ترافقهم كما رافقت شخصيات أدبية خالدة أجيالاً متعاقبة، مثل «سي السيد» في ثلاثية نجيب محفوظ و«دون كيشوت» لسيرفانتس و«روميو وجولييت» لوليم شكسبير.
وفي ختام حديثها، أكدت سعاد عسيري أن تجربتها مع الكتابة علمتها أن الحياة تستحق أن تُعاش وأن الأدب الحقيقي هو ذلك القادر على حمل القيم الإنسانية وإثارة التأمل وإعادة النظر في الواقع، مشيرة إلى أن الأعمال الأدبية الخالدة هي التي تترك أثراً يتجاوز حدود الحكاية ليصل إلى وجدان الإنسان وفكره، مستشهدة برواية «العجوز والبحر» للكاتب إرنست همنغواي بوصفها نموذجاً للإرادة والصراع من أجل النجاح.
اقرأ أيضًا.. في قلب فرنسا ينبض اسم مصر.. جيهان جادو نموذج استثنائي للمرأة المصرية المؤثرة