رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

أول أيام التشريق.. الحجاج يرمون الجمرات ويحيون يوم القر بالتكبير والدعاء

حجاج بيت الله الحرام
حجاج بيت الله الحرام

مع فجر اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة، يبدأ حجاج بيت الله الحرام مرحلة جديدة من أعظم مراحل الحج، حيث يتوافد الملايين إلى مشعر منى لأداء أعمال أول أيام التشريق، المعروف بـ«يوم القر»، والذي يوافق ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، في مشهد إيماني مهيب تتجدد فيه معاني الطاعة والخضوع والامتثال لأوامر الله تعالى، وسط أجواء يملؤها التكبير والتهليل والدعاء.

ويحظى هذا اليوم بمكانة عظيمة في الشريعة الإسلامية، إذ يعد من الأيام المباركة التي تتنزل فيها الرحمات وتتعاظم فيها الطاعات، وقد وردت فضائلها في السنة النبوية الشريفة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله»، وهو ما يؤكد أن هذه الأيام تجمع بين الفرح المشروع بنعمة العيد، والإكثار من ذكر الله والتقرب إليه بأنواع العبادات والطاعات.

يوم القر.. لماذا سُمي بهذا الاسم؟

أطلق العلماء على اليوم الحادي عشر من ذي الحجة اسم «يوم القر»، لأن الحجاج يقرّون فيه بمشعر منى بعد انتهاء أعظم أركان الحج وهو الوقوف بعرفة، وبعد أداء طواف الإفاضة وأعمال يوم النحر، فيستقرون بمنى للمبيت وأداء شعيرة رمي الجمرات.

وأوضح عدد من أهل العلم أن هذا اليوم يمثل مرحلة من السكينة الروحية والهدوء الإيماني بعد الزحام الكبير الذي يشهده يوم عرفة ويوم النحر، حيث يقضي الحجاج أوقاتهم بين الذكر والدعاء وتلاوة القرآن واستحضار معاني الإيمان والطاعة.

ومع دخول وقت الظهر وزوال الشمس عن كبد السماء، يبدأ الحجاج أول أعمال هذا اليوم المبارك، وهي رمي الجمرات الثلاث، الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة الكبرى، وفق الترتيب الشرعي الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويجمع الحاج في هذا اليوم 21 حصاة صغيرة، بحيث يخصص لكل جمرة 7 حصيات متتابعات، ويشترط العلماء أن تكون الحصيات صغيرة الحجم، وأن يتم الرمي واحدة تلو الأخرى مع التكبير عند كل حصاة.

وأكد الفقهاء أن الحاج يمكنه جمع الحصى من أي موضع داخل مشعر منى، ولا يشترط مكان محدد لجمعها، تيسيراً على الحجاج ومنعاً للمشقة والزحام، إذ المقصود هو أداء الشعيرة وفق الضوابط الشرعية بعيداً عن التعقيد أو التكلف.

الجمرة الصغرى

يتوجه الحجاج أولاً إلى الجمرة الصغرى، حيث يبدأ الحاج برميها بسبع حصيات متعاقبات، ويكبر مع كل حصاة قائلاً: «الله أكبر»، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويستحب أن يقف الحاج أثناء الرمي مستقبلاً القبلة، بحيث تكون الجمرة أمامه، ثم بعد الفراغ من الرمي يتقدم قليلاً إلى موضع بعيد عن الزحام، ويرفع يديه متضرعاً إلى الله عز وجل، مستقبلاً القبلة، فيدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.

وأشار العلماء إلى أن الدعاء بعد الجمرة الصغرى من السنن العظيمة التي يغفل عنها كثير من الحجاج، رغم ما فيها من معانٍ إيمانية عظيمة، إذ يقف الحاج بعد أداء الشعيرة خاشعاً متذللاً بين يدي الله، يرجو رحمته ويطلب مغفرته.

الجمرة الوسطى

وبعد الانتهاء من الجمرة الصغرى، ينتقل الحجاج إلى الجمرة الوسطى، حيث يكرر الحاج نفس الهيئة والطريقة في الرمي، فيرميها بسبع حصيات متتابعات مع التكبير عند كل حصاة.

كما يسن للحاج أن يستقبل القبلة أثناء الرمي، ثم يتنحى عن موضع الزحام بعد الانتهاء، ويقف للدعاء طويلاً اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يطيل الدعاء بعد الجمرة الصغرى والوسطى.

ويؤكد العلماء أن هذا الوقوف الطويل للدعاء يعكس حقيقة الحج بوصفه رحلة إيمانية وروحية قبل أن يكون مجرد أداء حركات وشعائر، فالحاج في هذه اللحظات يعيش حالة من الصفاء والتجرد الكامل لله تعالى.

جمرة العقبة الكبرى

ويختتم الحجاج أعمال الرمي بالتوجه إلى الجمرة الكبرى، المعروفة باسم «جمرة العقبة»، حيث يرميها الحاج بسبع حصيات متتابعات مكبراً مع كل حصاة.

وتختلف هيئة الرمي في جمرة العقبة عن الجمرتين السابقتين، إذ يقف الحاج بحيث تكون مكة المكرمة عن يساره، ومشعر منى عن يمينه، ثم يرمي الجمرة مباشرة دون أن يقف بعدها للدعاء.

وأوضح أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف للدعاء بعد جمرة العقبة، ولذلك يسن للحاج الانصراف مباشرة عقب انتهاء الرمي، التزاماً بالهدي النبوي الشريف.

ماذا قال العلماء عن أيام التشريق؟

أكد العلماء أن أيام التشريق تعد من أعظم أيام الذكر والطاعة، مستدلين بقول الله تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، مشيرين إلى أن المقصود بالأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة.

وأوضح الفقهاء أن هذه الأيام ليست أيام عبادة بدنية فقط، بل هي موسم شامل للذكر والتكبير وشكر الله على نعمه، ولذلك يشرع فيها الإكثار من التكبير عقب الصلوات، وترديد الأذكار، وقراءة القرآن، والدعاء.

كما شدد العلماء على أهمية التزام الحجاج بالرفق والهدوء أثناء الرمي، وتجنب التدافع أو إيذاء الآخرين، مؤكدين أن مقصد الشريعة قائم على التيسير وحفظ النفوس.

ومن أبرز أعمال أول أيام التشريق كذلك المبيت بمنى، حيث يبيت الحجاج في المخيمات المخصصة لهم اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويستمرون في ذكر الله وأداء الصلوات جماعة وسط أجواء إيمانية فريدة.

ويرى العلماء أن المبيت بمنى يحمل دلالات روحية عظيمة، إذ يجتمع المسلمون من مختلف الجنسيات والأعراق في مكان واحد، بلباس واحد، وشعور واحد، في صورة تجسد وحدة الأمة الإسلامية وتساوي الناس أمام الله تعالى

وتتعالى في مشعر منى أصوات الحجاج بالتكبير والتهليل والتحميد، في مشهد روحاني تهتز له القلوب، حيث يردد الملايين: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد».

ويؤكد العلماء أن التكبير في أيام التشريق من أعظم القربات، لما فيه من تعظيم لله سبحانه وتعالى وإحياء لشعائر الإسلام، خاصة في هذه الأيام المباركة التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أيام ذكر وطاعة.

اقرأ أيضاً..  هل يمكن لغير الحاج أن يعيش أجواء يوم عرفة وينال من بركاته؟.. الأوقاف توضح

تم نسخ الرابط