تكبيرات العيد.. شعيرة الذكر بين تعدد الصيغ واتساع المعنى الروحي
ع اقتراب عيد الأضحى المبارك، الذي يهلّ على الأمة الإسلامية حاملًا معه أجواء روحانية خاصة تتجسد في الذكر والتكبير والابتهال، يعود إلى الواجهة من جديد سؤال يتكرر كل عام: ما الصيغة الصحيحة لتكبيرات العيد؟
ويأتي هذا التساؤل في ظل انتشار صيغ متعددة لتكبيرات العيد في مختلف الدول الإسلامية، واختلاف طرق أدائها بين مسجد وآخر، وبين جماعة وأخرى، ما يثير أحيانًا حالة من الجدل حول الصيغة الصحيحة ودرجة الالتزام بنص محدد دون غيره.
وفي هذا السياق، تؤكد المؤسسات الدينية أن باب التكبير في الشريعة الإسلامية واسع، وأن الأمر لم يُحصر في صيغة واحدة ملزمة، بل وردت صيغ متعددة عن السلف الصالح، وهو ما يعكس رحابة النص الشرعي ومرونته في التعبير عن الذكر في مواسم الطاعات.
دار الإفتاء: لم ترد صيغة واحدة ملزمة
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن السنة النبوية الشريفة لم تثبت فيها صيغة محددة بعينها لتكبيرات العيد، بحيث يُلزم المسلمون بها دون غيرها، وإنما وردت آثار متعددة عن الصحابة والتابعين في صيغ مختلفة للتكبير.
وأشارت إلى أن من أشهر ما نُقل في هذا الباب ما ورد عن الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه، حيث كان يقول:
«الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد».
وتؤكد الإفتاء أن هذا التنوع في الصيغ يعكس سعة الشريعة الإسلامية في باب الأذكار، وأن المقصود الأعظم من التكبير هو تعظيم الله تعالى وإظهار الفرح والامتنان بنعمه وهدايته لعباده
واستندت دار الإفتاء في بيانها إلى قول الله تعالى في سورة البقرة:
"ولتكبروا الله على ما هداكم"
وأكدت أن الآية الكريمة جاءت بصيغة عامة مطلقة دون تحديد شكل معين للتكبير، وهو ما يدل على أن الشريعة لم تُقيد المسلم بصيغة واحدة، وإنما تركت المجال مفتوحًا ما دام الذكر خاليًا من المخالفة الشرعية.
وبناءً على ذلك، فإن كل صيغة تتضمن تعظيم الله وتمجيده وتخلو من أي محظور شرعي تُعد جائزة ومقبولة، ويثاب المسلم عليها بحسب نيته وإخلاصه.
الصيغة المشهورة في مصر
وأشارت دار الإفتاء إلى أن المصريين اعتادوا منذ عقود طويلة على ترديد صيغة مطولة في تكبيرات عيد الأضحى، تجمع بين التكبير والتحميد والتسبيح والصلاة على النبي ﷺ، وهي صيغة رسخت في الوجدان الشعبي والديني، وتوارثتها الأجيال في المساجد والساحات والبيوت.
وتأتي هذه الصيغة على النحو التالي:
«الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله،
الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد،
الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا،
لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده،
لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون،
اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد،
وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا».
وتوضح الإفتاء أن هذه الصيغة ليست بدعة كما يظن البعض، بل هي من الصيغ المشروعة التي أقرها العلماء عبر التاريخ، لما تحمله من معانٍ إيمانية عميقة تجمع بين التوحيد والحمد والصلاة على النبي ﷺ.
وفي السياق ذاته، أكدت دار الإفتاء أن عددًا كبيرًا من العلماء أقروا جواز تعدد صيغ التكبير، ومن أبرزهم الإمام الشافعي رحمه الله، الذي أوضح في كلامه أن اختلاف صيغ التكبير أمر جائز، بل ومستحب ما دام في إطار ذكر الله تعالى.
وقال الإمام الشافعي:
"وإن كبر على ما يكبر عليه الناس اليوم فحسن، وإن زاد تكبيرًا فحسن، وما زاد مع هذا من ذكر الله أحببته."
ويعكس هذا القول الفقهي إدراك العلماء لطبيعة الذكر في الإسلام، وأنه لا يُقيد بقالب واحد، بل يتسع لكل ما يحقق مقصوده من التعظيم والذكر والروحانية.
الصلاة على النبي في ختام التكبير
وتطرقت دار الإفتاء إلى مسألة إدراج الصلاة على النبي ﷺ ضمن صيغة التكبير، مؤكدة أن هذا الفعل محمود ومشروع، لما فيه من جمع بين ذكر الله تعالى وذكر رسوله الكريم ﷺ، وهو من أفضل أنواع الذكر.
وأوضحت أن الصلاة على النبي ﷺ لها فضل عظيم، وأنها مشروعة في كل وقت وحال، وأن ارتباطها بالتكبير في بعض الصيغ لا يُعد مخالفة، بل هو تعبير عن المحبة والتعظيم، وإحياء لسنّة الذكر الجامعة بين التوحيد والاتباع.
اقرأ أيضاً.. شرح مناسك الحج خطوة بخطوة.. رحلة الإيمان من يوم التروية إلى طواف الوداع

