غدًا يوم التروية.. 4 أعمال يؤديها الحجاج وحكم الذهاب إلى عرفات مباشرة
مع إشراقة صباح الغد، يستقبل حجاج بيت الله الحرام يومًا من أعظم أيام مناسك الحج، وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة المعروف بـ«يوم التروية»، ذلك اليوم الذي يمثل البداية الفعلية لمسيرة الحاج نحو المشاعر المقدسة، والاستعداد الروحي والإيماني للوقوف بعرفة، الركن الأعظم من أركان الحج.
ويحمل يوم التروية مكانة خاصة في قلوب المسلمين، إذ يجتمع فيه عبق التاريخ النبوي، وروح الطاعة، والاستعداد لأيام تعد من أعظم أيام الدنيا عند الله تعالى، بينما يكثر التساؤل سنويًا حول سبب تسميته، والأعمال التي يؤديها الحجاج خلاله، وحكم المبيت بمنى، وهل يجوز للحاج التوجه إلى عرفات مباشرة دون المرور بمنى.
لماذا سُمّي يوم التروية بهذا الاسم؟
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن العلماء ذكروا أكثر من سبب لتسمية اليوم الثامن من ذي الحجة بـ«يوم التروية».
السبب الأول يعود إلى أن الحجاج قديمًا كانوا يستعدون فيه لأيام الحج المقبلة بحمل المياه والتزود بها، خاصة أن المشاعر المقدسة كانت تفتقر في الأزمنة الماضية إلى مصادر المياه الكافية، فكان الناس يرتوون ويحملون الماء معهم إلى منى وعرفات.
واستشهدت الدار بما ورد في كتاب «العناية شرح الهداية» للعلامة البابرتي، الذي ذكر أن الناس كانوا يروون بالماء من العطش ويحملونه بالروايا إلى عرفات ومنى، ومن هنا جاءت تسمية «التروية».
أما السبب الثاني، فيرتبط بقصة نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما رأى في المنام الأمر الإلهي بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، فظل يتروّى ويتفكر في الرؤيا: هل هي من الله أم من حديث النفس؟ فسمّي اليوم بذلك.
يوم التروية.. بداية التحرك إلى منى
ويُعد يوم التروية نقطة الانطلاق الرسمية للحجاج نحو مشعر منى، حيث يبدأ الحجاج أداء عدد من الأعمال والسنن المرتبطة بالحج، اقتداءً بهدي النبي محمد ﷺ.
ويؤدي الحجاج خلال هذا اليوم أربعة أعمال رئيسية تتمثل في:
أولًا: الإحرام بالحج للمتمتع
الحاج المتمتع الذي أنهى العمرة وتحلل منها، يبدأ في يوم التروية بالإحرام بالحج من مكان إقامته سواء كان في مكة أو الفندق الذي يقيم فيه، دون اشتراط الذهاب إلى المسجد الحرام.
أما الحاج المفرد أو القارن، فيبقيان على إحرامهما الأول دون تجديد.
وأكد العلماء أن السنة أن يغتسل الحاج ويتطيب إن تيسر له ذلك، ثم يرتدي ملابس الإحرام ويقول: «لبيك اللهم حجًا».
ثانيًا: التوجه إلى منى
بعد الإحرام، يتوجه الحجاج إلى مشعر منى لقضاء يوم التروية والمبيت هناك اقتداءً بالسنة النبوية.
وتقع منى شمال شرق مكة المكرمة بنحو سبعة كيلومترات، وتتحول خلال موسم الحج إلى مدينة إيمانية ضخمة تستقبل ملايين الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم.
ثالثًا: أداء الصلوات الخمس في منى
ومن أبرز أعمال يوم التروية أن الحجاج يصلون في منى خمس صلوات متتالية، وهي:
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
فجر يوم عرفة
ويُسن للحجاج قصر الصلوات الرباعية دون جمع، أي أن كل صلاة تؤدى في وقتها منفردة.
رابعًا: الإكثار من التلبية والدعاء
ويحرص الحجاج خلال إقامتهم في منى على الإكثار من التلبية وذكر الله والدعاء، في أجواء إيمانية مهيبة تسبق الوقوف بعرفة.
ويُعد هذا اليوم فرصة عظيمة للاستعداد النفسي والروحي قبل أعظم مشاهد الحج، وهو الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة.
هل المبيت بمنى واجب أم سنة؟
من أكثر الأسئلة التي تتكرر كل عام: هل يجب على الحاج الذهاب إلى منى في يوم التروية؟ وهل يبطل الحج إذا ذهب الحاج مباشرة إلى عرفات؟
وفي هذا السياق، أكد عدد من العلماء أن المبيت بمنى يوم التروية سنة مؤكدة عن النبي ﷺ وليس واجبًا من واجبات الحج.
وأوضح علي جمعة أن النبي ﷺ ذهب إلى منى يوم الثامن وصلى بها وبات فيها، لكن ذلك على سبيل الاستحباب والسنة، وليس الفرض والإلزام.
وأضاف أن من توجه إلى عرفات مباشرة خوفًا من الزحام أو بسبب التنظيم أو المشقة فلا شيء عليه، وحجه صحيح، لأنه ترك سنة وليس واجبًا.
دار الإفتاء: لا حرج في الذهاب المباشر إلى عرفات
وأكد الشيخ عويضة عثمان أن بعض الحملات والحجاج يتوجهون بالفعل إلى عرفات مباشرة تجنبًا للتكدس والزحام، خاصة مع الأعداد الضخمة للحجيج.
وأشار إلى أن المبيت بمنى سُنة، ومن تركه فلا إثم عليه ولا فدية ولا بطلان في حجه.
وأضاف أن الحاج بعد انتهائه من العمرة وتحلله منها يمكنه أن يغتسل ويرتدي ملابس الإحرام ثم يلبي بالحج ويتوجه إلى منى أو إلى عرفات مباشرة وفق ظروفه وتنظيم حملته.
حكم تكرار العمرة قبل الحج
وتحدث الشيخ عويضة عثمان كذلك عن مسألة تكرار العمرة قبل الحج، موضحًا أن من أراد أداء عمرة أخرى بعد عمرته الأولى يمكنه الخروج إلى مسجد التنعيم والإحرام منه، لكن المسألة محل خلاف بين العلماء.
فبعض الفقهاء يرون جواز تكرار العمرة وصحتها، بينما يرى آخرون عدم استحباب الإكثار منها في وقت قصير.
هدي التمتع.. ما الواجب على الحاج المتمتع؟
وبيّنت دار الإفتاء أن الحاج المتمتع يجب عليه هدي التمتع، استنادًا إلى قول الله تعالى:
﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
فمن أدى العمرة ثم تحلل منها وانتظر حتى يوم التروية ليحرم بالحج، وجب عليه الهدي، ويجوز له ذبحه في أيام النحر أو بعد أيام التشريق.
أما من لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده.
تحذير من التشدد في مناسك الحج
من جانبه، حذر عباس شومان من بعض المتشددين الذين يحولون السنن والمستحبات إلى واجبات يظنون أن تركها يفسد الحج.
وأوضح أن الذهاب إلى منى يوم التروية والمبيت بها سنة فقط، وليس فرضًا، مؤكدًا أن كثيرًا من بعثات الحج الرسمية تتوجه مباشرة إلى عرفات تيسيرًا على الحجاج، خاصة كبار السن والمرضى.
ووجّه رسالة إلى الحجاج بعدم الالتفات إلى من يبالغون في التشدد، مؤكدًا أن من استطاع الذهاب إلى منى فقد أصاب السنة، ومن شق عليه ذلك وذهب مباشرة إلى عرفات فلا حرج عليه إطلاقًا.
يوم التروية.. استعداد روحي قبل أعظم أركان الحج
ويمثل يوم التروية محطة إيمانية فريدة يعيش فيها الحاج أجواء الطاعة والخشوع قبل الوقوف بعرفة، حيث تتعالى أصوات التلبية، وتفيض القلوب بالشوق والرجاء، استعدادًا ليوم يعد من أعظم أيام الله.
اقرأ أيضاً.. يوم العيد كما علمه النبي للمسلمين.. الأوقاف تستعرض السنن والآداب المستحبة