الإفتاء توضح حكم ادخار لحوم الأضاحي وشراء الأضحية بالتقسيط
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتزايد تساؤلات المواطنين حول الأحكام الشرعية المرتبطة بالأضحية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وحرص كثير من الأسر على أداء هذه الشعيرة المباركة وفق الضوابط الإسلامية الصحيحة ومن بين أبرز الأسئلة التي تتكرر كل عام، يبرز التساؤل حول جواز ادخار لحوم الأضاحي، وكذلك حكم شراء الأضحية بالتقسيط أو من خلال أنظمة السداد المؤجل.
وفي هذا السياق، أوضحت دار الإفتاء المصرية الأحكام الشرعية المتعلقة بهاتين المسألتين، مؤكدة أن الشريعة الإسلامية قامت على التيسير ورفع الحرج عن الناس، مع الحفاظ على المقاصد الشرعية للأضحية باعتبارها شعيرة من أعظم شعائر الإسلام.
دار الإفتاء: يجوز ادخار لحوم الأضاحي شرعًا
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا من أحد المواطنين حول مدى جواز ادخار جزء من لحوم الأضاحي بعد الذبح وعدم توزيعها بالكامل خلال الأيام الأولى من العيد.
وأوضحت الدار، أن النهي الذي ورد في بداية الأمر عن ادخار لحوم الأضاحي لأكثر من ثلاثة أيام كان مرتبطًا بظروف خاصة مرت بها بعض المجتمعات الإسلامية في ذلك الوقت، حيث كانت الحاجة شديدة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم توسيع دائرة التوزيع والتكافل بين المسلمين، لكن بعد زوال هذه الظروف، أباح الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين ادخار ما شاءوا من لحوم الأضاحي، وهو ما استقر عليه رأي جمهور العلماء والفقهاء.
فلسفة توزيع الأضحية في الإسلام
وأكدت دار الإفتاء أن الأضحية لا تقتصر فقط على الذبح، وإنما تحمل معاني عظيمة من الرحمة والتكافل الاجتماعي وصلة الرحم وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين.
وأشارت إلى أن الشريعة الإسلامية استحبت أن يأكل المضحي من أضحيته، وأن يهدي منها للأقارب والجيران، وأن يتصدق بجزء منها على الفقراء، دون إلزام بنسبة محددة، تحقيقًا لمقاصد المودة والتراحم بين الناس.
كما أوضحت أن ادخار جزء من اللحم للأسرة لا يتعارض مع هذه المقاصد، خاصة إذا كانت الأسرة في حاجة إليه، أو كانت ترغب في الانتفاع به خلال الأيام التالية للعيد.
وفي جانب آخر، تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا يتعلق بحكم شراء الأضحية بالتقسيط، خاصة مع ارتفاع أسعار الأضاحي وانتشار نظم البيع المؤجل والصكوك.
وأكدت الدار أن شراء الأضحية بالتقسيط جائز شرعًا، سواء كان الشراء مباشرة من التاجر أو من خلال صكوك الأضاحي، بشرط أن يكون الثمن معلومًا بوضوح، وكذلك مدة السداد والأجل المتفق عليه بين الطرفين وقت التعاقد.
وشددت على أن هذا النوع من المعاملات لا يتعارض مع شرط امتلاك المضحي للأضحية قبل ذبحها، لأن الأضحية تدخل في ملك المشتري بمجرد استلامها من التاجر أو بمجرد استلام الجهة المصدرة للصك لها نيابة عنه.
هل يؤثر التقسيط على صحة الأضحية؟
وأوضحت دار الإفتاء أن طريقة دفع ثمن الأضحية لا تؤثر على صحتها، فالعبرة الأساسية تتمثل في تحقق الملكية الشرعية الصحيحة قبل الذبح، وليس في كون الثمن مدفوعًا نقدًا أو بالتقسيط.
وبيّنت أن الإسلام أجاز البيع الآجل والتقسيط في مختلف المعاملات التجارية، طالما كانت قائمة على الوضوح والاتفاق المسبق بين البائع والمشتري دون غموض أو نزاع.
وأكدت أن التقسيط يعد من وسائل التيسير التي تساعد الناس على قضاء احتياجاتهم، بشرط الالتزام بالأمانة والقدرة الحقيقية على الوفاء بالالتزامات المالية.
من جانبه، تحدث الشيخ عويضة عثمان عن حكم شراء الأضحية بالتقسيط، مؤكدًا أن الأضحية من السنن المؤكدة والشعائر العظيمة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى.
وأوضح، أن حرص المسلم على أداء الأضحية أمر طيب يؤجر عليه، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة ألا يتحول أداء هذه السنة إلى عبء مالي يثقل كاهل الإنسان أو يدفعه إلى الاستدانة دون قدرة على السداد.
وأشار إلى أن الشريعة الإسلامية تقوم على التيسير ورفع الحرج، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يدخل نفسه في ديون لا يستطيع الوفاء بها.
متى يجوز شراء الأضحية بالدين أو بالتقسيط؟
وأوضح الشيخ عويضة عثمان، أن شراء الأضحية بالتقسيط أو الاستدانة من أجلها يكون جائزًا إذا كان الشخص يعلم يقينًا أن لديه مصدر دخل قريب يمكّنه من السداد.
ومن أمثلة ذلك، أن يكون له راتب مستحق بعد العيد، أو أموال مؤجلة، أو جمعية مالية سيقبضها خلال فترة قصيرة، بما يجعله مطمئنًا إلى قدرته على الوفاء بالأقساط دون الوقوع في مشكلات مالية.
وأضاف، أن من كان قادرًا ومطمئنًا للسداد فلا حرج عليه في شراء الأضحية بالتقسيط، بل يُرجى له الأجر والثواب على إحياء هذه الشعيرة المباركة.
وفي المقابل، حذر أمين الفتوى من لجوء البعض إلى شراء الأضحية بالدين رغم عدم امتلاكهم القدرة الحقيقية على السداد، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى أزمات مالية وضغوط نفسية وأسرية.
وأشار إلى أن الإسلام لا يُلزم المسلم بالأضحية إذا لم يكن قادرًا عليها، لأنها سنة مؤكدة وليست فرضًا واجبًا، وبالتالي فإن من يعجز عنها لا إثم عليه.
وأوضح، أن بعض الأشخاص قد يندفعون بدافع العادات الاجتماعية أو الرغبة في مجاراة الآخرين، فيقدمون على شراء أضحية فوق إمكاناتهم المادية، وهو ما قد يتحول لاحقًا إلى عبء ثقيل من الديون والمشكلات.
الشريعة تقوم على الرحمة والتيسير
وأكدت التصريحات الصادرة عن علماء دار الإفتاء المصرية أن الشريعة الإسلامية راعت اختلاف الظروف المعيشية للناس، وربطت أداء الأضحية بالاستطاعة والقدرة المالية، انطلاقًا من قول الله تعالى: “لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”.
اقرأ أيضاً.. جدل الأضحية بالطيور يتصاعد.. والإفتاء تؤكد: لا تجزئ إلا من الأنعام